ناصر قنديل في «برسم النظام»: على البحرانيين أن لا يقعوا في وهم أن الأنظمة المتخاصمة يمكن أن تكون صديقةً لهم.

2017-08-25 - 1:33 م

مرآة البحرين: تشهد دول الخليج منذ أكثر من شهرين أزمة سياسية عميقة مع الدوحة، وهي الأطول في تاريخ الأزمات في مجلس التعاون كمنظومة سياسية، فهل تنفتح هذه الأزمة على مسارات غير متوقعة؟ وهل يمكن أن تستفيد الشعوب سياسياً وإعلامياً حين تتخاصم الأنظمة القامعة؟ وإلى أين تستقر رحال هذه الأزمة، خصوصاً بعد المتغيرات المتسارعة في مناطق الصراع في الإقليم؟

برنامج «برسم النظام» استضاف ناصر قنديل رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية وأجرى معه الحوار التالي..

ناصر قنديل

ناصر قنديل رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

المُعلن في الخلاف القطري لا يفسّر ما يجري ولا التوقيت

برسم النظام: كيف نقرأ هذا الخلاف الذي دبّ في دول مجلس التعاون منذ شهرين، وأصبح هناك اصطفاف ثلاثي أو رباعي وأخرى مستهدفة ودولتين تحيدان بأنفسهما؟

 

ناصر قنديل: أعتقد دائما بمثل هذا النوع من الأزمات تكون هنالك مجموعة من الأسباب، والحديث يدور حول السبب الرئيسي الموجه الحاكم، لأن الخلاف قديم في الحقيقة والتنافس أو الشعور السعودي بالغيظ من نمو دور قطر بصورة مبكرة، كلنا نتذكر بعد حرب تموز 2006 استضافة الدوحة للمفاوضات اللبنانية اللبنانية والخروج بالحل الذي حمل صيغة اتفاق الدوحة واسمها. وفي الدخول على خط الخلاف السوداني، لعبت قطر دورا إقليميا كان واضحا أنه لا يريح السعودية. سعت السعودية مراراً لخلق نوع من ائتلاف عربي، وبعض الشكوى حتى للأمريكيين، ضد هذا التنامي وهذه المزاحمة التي تمثلها قطر للسعودية. وبالتالي وجود أسباب ذاتية هو عامل، لكن لا يستطيع هذا العامل أن يفسر التوقيت، دائماً العامل الحاسم هو الذي يفسر التوقيت. ما الذي جرى حتى ظهر الآن؟ خلافات سياسية صحيح! خلافات عوائل صحيح! تنافس على الأدوار صحيح! دور قطر في الإرهاب صحيح! ولكن دور السعودية في الإرهاب أصح، وأنا مرة كتبت وقلت: كل ما تقوله قطر بحق السعودية صحيح وكل ما تقوله السعودية بحق قطر صحيح، المسألة ليست في صحة الاتهامات وصفة المتهم، وهل المتهم متفوق أخلاقيا في قضية الاتهام على من يتهمه؟ هل أن السعودية عندما تقول أن قطر دولة حاضنة للإرهاب هي بريئة منه؟ كل هذا يدفعنا إلى معادلة أن ما هو معلن وما يطفو على السطح في السجال السياسي لا يفسر الذي يجري! علينا أن نبحث عن التفسير في مكان آخر.

 

يُراد لقطر أن تدفع كُلفة الهزيمة في سوريا واليمن

برسم النظام: ماذا فيما يتعلق في الاستفادة التي يمكن أن تستفيد بها الشعوب من هذا الصراع؟

 

ناصر قنديل: أنا أعتقد قبل الوصول إلى الاستفادة، لنحاول أن نرى هل نحن أمام صراع طبيعته تلزمنا أن نصطف للوقوف إلى جانب أحد الطرفين كشعوب، لانك تصبح مضطر أن تنحاز.

مثلا إذا قلنا إن المعركة التي تدور والتي بدأت عام 2011 بين سوريا وعدد من الدول العربية: هذا خلاف! هل أن هذا الخلاف يدعونا إلى الاصطفاف إلى جانب أحدهما أو إلى التفرج والقول فلنستفيد؟ المرحلة الثانية هي إذا كنا غير معنيين بالاصطفاف من حقنا أن نسأل عن فرص الإفادة؟!

 

برسم النظام: الشعوب الخليجية كثيرا ما تكون مغيبة، الأخوة في البحرين عامة نأوا بأنفسهم، بالذات نحن قرأ خطابات المعارضة نأوا بنفسهم عن ذلك، ولكن وددت أن أقف عند السلوكيات التي اعتمدتها هذه الأنظمة تجاه قطر، هل تعبّر هذه السلوكيات عن طبيعتها أم هي سلوكيات مستحدثة؟

 

ناصر قنديل: أنا أعتقد أننا أمام مشهد هو ثمرة الحرب المشتركة التي خاضتها قطر والدول المحاربة لها أو المقاطعة لها ووصلت إلى طريق مسدود. هذه كلفة الهزيمة. هذه معادلة التقاسم القسري لفاتورة الخسارة.

 

ملك البحرين لا دور له وهو ملحق سعودي

يكمل قنديل: خاضت المنطقة حرباً وكانت دول الخليج المعنية هي السعودية والإمارات وقطر بشكل أساسي، ملك البحرين لم يكن يوما فاعلاً وهو ملحق سعودي، لكن الثلاثي القطري السعودي الإماراتي وضعوا آمالاً واستخبارات وعلاقات سياسية للفوز بحرب كانت وراءها الولايات المتحدة الأميركية، ومن الواضح أن الانفراط في العقد جاء بتوقيت زيارة ترامب إلى الرياض، يعني ليست مصادفة أن الأزمة مع قطر اندلعت على أعقاب انتهاء قمم الرياض، وترامب لم ينفِ هذا وقال إنها مما تم الاتفاق عليه أثناء القمم، وبالتالي إذاً نحن أمام حلف نظمته أميركا أناطت فيه دورا بدول الخليج.

فشلت هذه الحرب، بدأت المحاسبة على من تسبب بالهزيمة ويجري الآن محاولة تدفيع الفاتورة الأكبر، يعني تقاسم الفواتير في الخسائر والفاتورة الأكبر يراد لقطر أن تدفعها على أن ينجو الشريكين الإماراتي والسعودي من كلفة مشابهة في نتيجة الهزيمة.

أعتقد هذا هو المشهد الحالي، وعلينا أن نقرأ قطر بصفتِها الإمتداد الخليجي للسياسة التركية، يعني الأمر يجري أيضا على خلفية الاشتباك الأميركي التركي حول الأدوار في المنطقة. من يمثل سُنَّة العالم العربي في معادلة الإقليم الجديدة؟ إذا كانت إيران على الضفة الشيعية، فمن على الضفة السنية؟ هل هي تركيا التي استدارت نحو استانة وفتحت على روسيا من وراء ظهر أمريكا وحاولت أن تبدأ التشبيك مبكرا؟ أم السعودية التي بقيت متمسكة بالعلاقة مع إسرائيل وتقول أنا الأوفى وأنا الأكثر إخلاصاً وإن لم تصدقوا فاسألوا الإسرائيليين. هذا صراع حقيقي وفي قلب هذا الصراع الحقيقي قطر هي صندوق المال التركي فإذا حرمت تركيا من صندوق المال، فقدت ركناً من أركان القدرة على لعب الدور المقبل.

 

العقل السعودي طبيعته العناد والإنكار

برسم النظام: إذا أردنا أن نتعمق أكثر، نحن أمام حصار وأمام مقاطعة ولا حوار، ومعلومات أخرى تتحدث عن إفشال المساعي الكويتية التي قادها صباح الأحمد. هل هذا جزء من طبيعة هذه الأنظمة أم أيضا مستحدث؟

 

ناصر قنديل: أنا أعتقد أنه جزء من طبيعتها، نحن شاهدنا حرب اليمن: في حرب اليمن واضح أن الحساب السعودي كان لأسابيع وامتدت الحرب أشهر وسنوات، ولكن طبيعة العناد وطبيعة الإنكار وطبيعة عدم الاستعداد للتأقلم مع المتغيرات خلاف العقل الغربي؛ العقل الغربي الأميركي دخل في حرب سوريا ووصل إلى طريق مسدود، بدأ يتأقلم مع معادلات جديدة و يحاول أن ينتج تكتيكات جديدة، ثم حين وصلت إلى طريق مسدود لم يشعر بالحرج من الدخول في تسوية. السعودي يستصعب هذا.

 

برسم النظام: أراك تتحدث دائما عن السعودية؟!

 

ناصر قنديل: الإمارات لا شك لها دور، لكن الإمارات أعتقد أنها تأقلمت مع دور الصف الثاني: صناعة السياسة. المعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام الغربية خصوصا واشنطن بوست تقول إن محمد بن زايد الذي قدم محمد بن سلمان للأمريكيين كخليفة محتمل لإدارة السعودية أو للدور السعودي، وبالتالي الإمارات ليست ملحق بهذا المعنى، لكن هي بذكاء محمد بن زايد ترغب بأن تقف وراء السعودية وأن تكون السعودية هي عنوان القيادة والزعامة، وتراعي هذه الخصوصية والسعودية ليست براغماتية.

رأينا ذلك في اليمن، كيف يكون تقاسم الأدوار والوظيفة، واضح أن السعودية لم يتغير فيها شيء بموضوع الإنكار عندما تقع الحقائق الصارخة، وهي لا تستطيع أن تتقبلها وتحاول معاندة التيار ومعاندة الاتجاه الحاكم في تطور الأحداث. بالتالي أعتقد أنه الآن يوجد حصار صحيح، لكن من الأيام الأولى تَوَضَّح بأنه لن يصل إلى نتيجة.

 

حالة استنزاف تأكل من الهيبة السعودية

برسم النظام: ولكن هذا الحصار أيضاً استُخدِمَ مع الشعوب عامة وبالتالي لا جديد في هذه الأنظمة التي لا تفرق بين الشعوب.

 

ناصر قنديل: كما كان الوهم السعودي في سرعة إسقاط اليمن، كان هناك وهم أكبر أَنَّهُ هذه المرة تعلمنا من درس اليمن، وبالتالي ستسقط قطر خلال أسابيع!

لم تسقط قطر والأمريكي بدأ يُغيِّر والأوروبي غَيَّر، وأنا أعتقد أنهم لم ينتبهوا لمسألة هي أكبر من حجم خلافهم مع قطر! قطر هي من بين ثلاثة في سوق الغاز في العالم، والباقين هم روسيا وايران. لن تسمح روسيا وإيران بتغيير معادلة سوق الغاز وأن تصبح قطر مجرد تابع سعودي. هذا لن يُقبل!

ثانيا، قطر في التوازن الجغرافي هي اللسان الجغرافي الأقرب لإيران بامتدادات المحيط الخليجي فلن يسمح لها بأن تتحول إلى قاعدة عسكرية سعودية. هذا النوع من التوازن يفيد إيران وتحرص على بقائه وهو جزء من الجغرافيا العسكرية والسياسية في المنطقة، وبالتالي أنا أعتقد بأن حماية الخصوصية القطرية على سيئاتها وحسناتها قضية دولية إقليمية، حتى الأوروبي منحاز إلى جانب حماية هذه الخصوصية، والأمريكي بدأ يتأقلم مع فكرة إقناع السعودي بأنه لا يوجد أمل: إذهبوا إلى التسوية. الكلام عن خلاف ترامب وتيليرسون ليس صحيحاً جدا، لكن هناك شيء منه بمعنى أن الدبلوماسية العاقلة ترى بأن الصراع لا تستطيع أن تتحول أمريكا فيه إلى خادم للسعودية.

أمريكا هي مايسترو اللعبة وبالتالي عليها أن تقول للسعودية أن اللعبة انتهت، ولا أمل بإسقاط قطر فتأقلموا مع فكرة التسوية. حتى الآن حالة الإنكار واضح أنها هي السائدة، وأن استصعاب الدخول في التسوية لا يزال هو الحاكم في الموقف السعودي، فنرى أنفسنا أمام أزمة مفتوحة: أزمة استنزاف، لكن واضح أنها تأكل من الهيبة السعودية وتأكل من مكانتها في الزعامة.

 

أمير قطر نجح أن يخوض بالقطريين معركة الدفاع عن الذات

برسم النظام : سوف أعود إلى الإشارة المهمة التي أشرت إليها، هل تصطف الشعوب في هذه الأنظمة؟

أحد الكتاب يقول من الطبيعي أن تختلف الأنظمة القامعة ولكن ليس من الطبيعي أن تكسب الشعوب! هل تعتقد بأن اليوم في هذه الأزمة التي تعصف بين هذه الدول، وأنا أستخدم (القامعة) لأننا لسنا أمام أنظمة تستخدم أنظمة ديمقراطية وهي تابعة، إذا استثنينا الكويت. هل تعتقد بأن الشعوب يمكن أن تكسب من هذه الأزمة؟

 

ناصر قنديل: هي تكسب وتخسر في آن واحد، أولا لنقل داخل السعودية وقطر والإمارات نجحت الأنظمة بِشَدِ عصبية الشعوب تحت عنوان معركة وطنية، يعني بالمعلومات والمعطيات والتقارير التي تنشرها الصحف الغربية التي تتاح لها فرص الاحتكاك.  

 

برسم النظام: ربما ذلك في قطر؟

ناصر قنديل: في قطر وفي السعودية، مثلاً محمد بن سلمان يتحول إلى رمز زعامة على الأقل عند الجيل الشاب والأمراء والنخب والعائلات المرتاحة اقتصادياً نسبيا.

في الإمارات واضح أيضاً أنّهُم استطاعوا بصورةٍ أو بأخرى تعَبِئَةَ الشارع، تحديداً أنهم بِصورةٍ مبكرة تحدثوا عن موضوع الإخوان، وكلنا نذكر الإمارات بصورة مبكرة وليس الان تفتح معركة الإخوان وعلاقتهم بقطر والتحدي الذي يمثله الإخوان، ليبدو للداخل الإماراتي أن تنظيم الإخوان حقيقةً كان إرباكاً للأمن في الإمارات، وبالتالي كان هناك غيظ من احتضان الإخوان في الجانب القطري.

في قطر موجود هذا الشد للعصب، ونجح الأمير القطري ومعه فريقه في أن يخوض بالقطريين معركة دفاع عن الذات وأنه تم الاعتداء علينا ونحن مظلومين. في الإجمالي الأعم في المنطقة، وليس فقط في البحرين، هناك شعور بأن هذا الفريق لم نَرَ منه إلاّ الشر، وهذا الفريق كان يقف ويتقاسم الأدوار في تمويل الإرهاب، وكان يتقاسم الأدوار في حماية الظالمين أينما كان، وبالتالي هذا الفريق أيضا يتنافس على كسب الرضا الأمريكي والإسرائيلي. ماذا نكسب إذا ربح أحدهما؟

الموقف الشعبي العام أنا أعتقد، هو أن اختلافهما أفضل من أن يربح ويكسب أحدهما على الآخر، أن يبقى الخلاف، أن يستنزفا مواردهما في بعضهما بدلا من أن ينفقاها علينا.

 

برسم النظام: ماذا تقول للشعوب؟

ناصر قنديل : شاهدوا العربية والجزيرة وصدِقوهُم وهم يتكلمون على بعض، وارتاحوا من هم الأكاذيب التي كانوا يصنعونها عندما كانوا متفرغين لنا معاً. في توزيع الوقت الآن أكثر من نصف وقت الجزيرة للسعودية، وأكثر من نصف وقت العربية لقطر، وهذا النصف كان علينا. هذا كان متفرّغاً للشعوب ولتلفيق الأكاذيب والافتراءات ودس الفتن "اللهم سلط الظالمين على الظالمين" .

 

استخدام البحرين عنوانا لتبرير التدخل وضرب قطر

برسم النظام: فيما يتعلق بالبحرين وموقف البحرين وهذا القرار، هل تعتقد بأنها يمكن أن تشكل شيء أم المسألة مجاملة؟

 

ناصر قنديل: هناك جزء من الوظيفة التي كانت في العقل السعودي مع تصميم اللعبة وتصميم المعركة مع قطر وأخذ عليها الضوء الأخضر الأمريكي أثناء زيارة ترامب، أخذ الـ 480 مليار وهي ثمن رأس قطر ومحمد بن نايف!

هو أعطى الضوء الأخضر بإزاحة محمد بن نايف وبفتح النار على قطر، وبأن تعويضكم عن الهزيمة في المنطقة هي عسكرة الخليج وإمساكه بقبضة حديدية، تأديب قطر وضَمِّها تحت الإبط حتى لو اقتضى الأمر وقوع انقلاب، وكان المشروع هو انقلاب. هو رسالة للكويت ورسالة لعمان ولكل الذين ينحون باستقلالية عن الزعامة والقيادة السعودية.

لا يوجد دور في سوريا ولا في العراق، بالتالي عليكُم أن ترتبوا البيت الخليجي بطريقتكم، مال الغاز القطري هو تعويض عما خسرتموه في الحروب التي كلفناكم بها! كانت العقدة إسرائيلية، لأن الإسرائيلي يميز قطر في وضعية معينة بسبب التطبيع والعلاقات، ذهب ترامب إلى إسرائيل مباشرةً من الرياض وأبلغ الإسرائيليين فوراً أن ما تفعله قطر سوف تفعله السعودية أضعافاً مضاعفة. فبدأ الكلام السعودي وأقفلوا الجزيرة.

بمعنى آخر، ذهب الإسرائيليون وخلعوا القطريين، فأُعطي الضوء الأخضر!! إذا كان قد حصل على الضوء الأخضر السعودي ودخل في هذه المعركة، بعد ذلك ما هي العدة التي يستطيع أن يقاتل بها؟ كان الافتراض أنه سيحتاج إلى تدخل عسكري، انقلاب وتدخل. البحرين هي العنوان لهذا التدخّل!

 

برسم النظام : أوَّل من اصدرت المقاطعة هي البحرين!

ناصر قنديل: نعم، أنا كنت أقول أنه كان في الحساب السعودي فرضية الاحتياج لعمل عسكري، وعنوان النزاع البحراني القطري له جذور جغرافية، والحديث عن بعض الجزر والنزاع حولها.

قد يكون استعادة تسعير المناخ بين البحرين وقطر هو المدخل الذي يبرر هذا الدخول، لأن أي اشتباك عسكري قطري بحراني يُعطي الذريعة للسعودية للدخول في الاشتباك، بذريعة دعم البحرين والدفع عنها، وأن هناك عدوان قطري على البحرين.

ولذلك كان مطلوب أن تكون البحرين صاحبة اللغة الأشد قسوة وأن تتصدر، ونرى لحد الان وزير الخارجية البحريني هو الذي يتولى الصياغات الإعلامية القاسية في الحديث عن قطر، بينما الشرح حول أبعاد التفاوض ومعانيه يتولاه الإماراتي، والسعودية موقف من سطرين.

 

برسم النظام: الإماراتي فقط أُعطِيَ لمساعد وزير الخارجية؟

ناصر قنديل: وزير الدولة قرقاش هو الذي يقود الحملة الإعلامية في تحديد الخطاب وسقف الخطاب، والإعلان عن نفاوض أو لا نفاوض، هذا قابل للتفاوض وهذا غير قابل للتفاوض. أعتقد الأمر نابع أن قرقاش هو من مكتب محمد بن زايد يعني الأصل في الأمر هنا، ومحمد بن زايد هو غرفة العمليات.

 

فتح الجزيرة لملف الحريات في الخليج الآن يوحي برغبة استغلالية

برسم النظام: سؤال موجه لك من الإعلامي السوري شادي ونوس: من خلال متابعتي لمقالاتك أستاذ ناصر، لاحظت في إحداها أنك أشرت إلى ثلاث فرضيات لبلوغ الأزمة في الخليج، منها الحرب الإعلامية المتبادلة. هنا يكمن سؤال: هل تَحَوُل قناة الجزيرة القطرية من حالة السكوت على الأنظمة الخليجية إلى حالة انتقاد هذه الأنظمة يُعدُّ مكسباً جديدا للشعوب، أم أنه يبقى في إطار الحربية الإعلامية فقط؟

 

ناصر قنديل: أنا أعتقد في هذه المعركة يختلف الوضع عما كانت عليه الجزيرة عشية ما سمي بالربيع العربي، لأن الجزيرة لم تعد لديها مصداقية صوت الشعوب، هي الآن فقدت هذه الصفة، وبالنسبة للخليج تحصّنت الأنظمة من قبل، فهذا لا يأتي قبل أن تفتح النار على الحكومة القطرية وبالتالي مطعون بمصداقيته. ولو قررت الجزيرة فتح ملفات الحريات مثلا في دول الخليج وبعدها جاءت الأزمة، لكان يمكن القول أن الحكومات الخليجية انتفضت دفاعاً عن القمع والقهر الذي تمارسه بحق شعوبها لأن قطر قررت أن تنتصر للشعوب. الآن ما يجري يوحي للشعوب برغبة استغلالية: أنكُم استفقتم علينا الآن وتذكرتم أن هناك شعوب مقهورة في الخليج، ولأنكم مستهدفون من حكومات الخليج تتقربون منا، لكن ماذا لو صالحتم الحكم السعودي غدا؟ ألن يَكُونَ مِن بنودِ الإتفاق وقف هذه الحملات ؟! فما هو مصير من يتورط ويخرج معكم على شاشاتكم ويفتح الأوراق ويتحدث عن المقدمات ويتحدث عما يجري في السجون والقهر والقمع والسجن؟

أعتقد أنه لم يعد لدى قطر الصورة التي كانت قبل 10 سنوات، لكن هذا لا يمنع أن شعوب الخليج تستفيد، وأعتقد أن النخب الخليجية تعرف هذه الشقوق وكيف تستثمرها وكيف تستخدمها، سواء في البحرين أو في السعودية نفسها، وهناك شعب يعاني الأمرّين في السعودية، وفي المقابل الشعب القطري عَبرَ بَعض نِخَبِهِ الذين يظهرون في العربية والسكاي نيوز، ولكن أنا لا أعتقد أن الأزمة ستفتح باب التغيير في أنظمة الحكم في الخليج، حتى لا نعيش وهم أن هذه الحملات المتبادلة سوف تُسهِمُ في تصديع العلاقة بين الحكومات وشعوبها، بِقياس النسبة والتناسب بين ما قبل الأزمة وما بعدها. أعتقد أن علاقة الأنظمة وشعوبها أمتن الآن مِما كانت عليه قبل الأزمة، والحكم في قطر أقرب ومتماسك مع شعبه أكثر مما كان قبل الأزمة.

 

 

قطر لم تدرك حجم أهميتها بعد

برسم النظام: الدكتور ماجد الأنصاري أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قطر يقول "الأزمة ستدفع قطر إلى استقلال سياسي حقيقي بعيدا عن مجاملات عام 2013، مشيرا إلى تراجع طموح دول الحصار بتغيير النظام في قطر، وكان يشير لتحصل الشعوب على مكتسبات من المشاركة السياسية" .

 

ناصر قنديل: أتمنى ذلك لكن عندي ملاحظتين، الأولى أن قطر تقاتل من داخل البيت نفسه تحت المظلة الأمريكية، في قلب ذات منظومة العلاقات الدولية وفي قلب ذات منظومة الحرب الدائرة في المنطقة.

 

برسم النظام: ولكن الدكتور الأنصاري يشير إلى استقلال سياسي بمعنى الخروج من العباءة السعودية.

 

ناصر قنديل: الخروج من العباءة الأمريكية هو الأهم، وهو ما لا يبدو مطروحاً على الطاولة، وبالتالي الأمريكي لا مانع لديه بأن يدير منظومتين مستقلتين، فقد بدأ يتحدث الإسرائيلي في فلسطين عن دولتين. بهذا المعنى الإنقسام في قلب المظلة الأمريكية هو مصلحة أمريكية وليس مصلحة قطرية.

قطر الآن لا تدرك حجم أهميتها، قطر هي نقطة توازن قادرة فيما تمثله في سوق الغاز، وفي الجغرافيا السياسية العسكرية للخليج، وبالموقفين الإيراني والروسي، وبالخصوصية التركية، هي قادرة ليس أن تستقل عن السعودية فحسب، بل قادرة أن تستقل عن السياسة الأميركية، لكن هذا يستدعي أن تتشبه بالموقف العماني، يعني أن تنتقل إلى موقف أكثر شَجاعةً في ممارسة نقد ذاتي على ما ارتكبته بحق ليبيا ومصر. وحدها مصر معذورة في موقفها مع قطر لأنها لم تلعب لعبة الإرهاب، وهي في موقع المعتدى عليه، ليبيا، مصر وسوريا هم ضحايا قطر.

 

على قطر أن تلفظ العباءة الخليجية وتنتقل إلى ضفة الشعوب

برسم النظام: مداخلة للاعلامية رباب تقي: لقد قرأت لك مقالا سابقا حول موضوع الأزمة الخليجية، وقد ذكرت في هذا الإطار أن قطر هي الرابحة في المقابل السعودية هي الخاسرة، ألا تعتقد أن ما يدور يعد خلافاً للأنظمة وحالما يزول هذا الخلاف، تكون الشعوب الخاسر الأكبر؟

 

ناصر قنديل: أنا أعتقد أن قطر رَبِحَت أنهم لن ينجحوا في إسقاطها، عندما يَفشَل مشروع إسقاط قطر تكون قطر قد فازت، وسيكون الذين سعوا لاسقاطها قد خسروا، وعندما يتموضعون على خط الاعتراف بهذه الحقيقة ويصبح المخرج هو البحث عن حل يحفظ ماء الوجه، وليس عن حل يلبي ما كان في ذهنهم في البداية، فهذا انتصار لقطر. أَنا مَع أَن الشعوب دائِماً خاسرة، وحتى المخاطبة للشعوب الآن هي مخاطبة استعمالية واستغلالية، وانا كان عندي تمني وآَمَل لِأنَ السعودية الآن على الضفة الاميركية الاسرائيلية، والواضح أن الأمريكي أنزَل مرتبة قطر عنده، ورفع من مقام دور السعودية. هل هي فرصة لقطر أن تنفض عنها العباءة الأمريكية وتنتقل إلى ضفة الشعوب؟ أقول للقطريين هذه فرصتكم، لكن هذا شرطُهُ اعتذار وتوبة نصوحة!

 

برسم النظام: هل القطريين منتبهين الى هذه النقطة؟

ناصر قنديل: لم أر مراجعةً على صعيد القيادة القطرية، وهي شريكة بِما حَصَل في ليبيا ومصر وسوريا. لا تستطيع القول أن تنظيم الإخوان المسلمين لم يفعل شيئا في مصر وحتى في ليبيا. هي استثمرت تحت عنوان إسقاط النظام وتخديم السياسية الأميركية، والتي سقط فيها عشرات الآلاف لا بل مئات الآلاف حسب بعض التقارير.

سوريا خلال 7 سنوات تتخبط بدمائها، الانقلاب الأساسي في السياسة العربية الذي آذى سوريا كانَ انقلاب قطر التي كانَت في موقعِ الصديق، لا يمكن لقطر أن تقول اغمضوا عيونكم كأن شيئا لم يحدث!

قوى المقاومة والشعوب لا يوجد عندها رغبة في الثأر من أحد، ولكنها لا تريد أن تدمل جرحاً على زَعَل، حدث بيننا وبينكم الكثير، هل انتم جاهزون أن تقولوا أن السياسة الأميركية هي سبب خراب المنطقة، وأننا كُنَّا في موقع الخطأ، وأننا مستعدون للتصحيح والكفارات إذا استدعى الأمر، عن الذي ارتكبناه؟ واضح حتى الآن، نسمع شكوى قطرية عن العبث السعودي وعن عدم الإخلاص الأمريكي، ولكن لم ترق بعد إلى مستوى المراجعة.

 

مجلس التعاون أصبح وراءنا ولم يعد موجوداً

برسم النظام : كيف تقرأ مستقبل مجلس التعاون الخليجي في المرحلة القادمة؟

ناصر قنديل: في الاصل مجلس التعاون بُنِيَ وتَشَكَّل ومُنِحَ الغطاء الدولي على الصعيد السياسي، لأنه في الإقتصاد هناك صعود وهبوط، إذا كان هناك فورة نفطية ومحاولة لاستثمار العائد المالي في بعض المشاريع المشتركة، وإذا كان هناك ضيق وشد أحزمة تبدأ عملية التراجع والانكفاء إلى خلف الحدود. على المستوى السياسي لم ينشأ مجلس التعاون لأنه يريد أن يحاكي الاتحاد الأوروبي وتجربة نموذجية لتوحيد الشعوب، بل أنشأ من أجل وظيفة هي مواجهة إيران، هو أداة قررت أمريكا أن تعطي الضوء الأخضر له، وسُمِحَ بِه لِيُشَكِلَ ثقلا ماليا وسياسيا وجغرافيا وليس عسكريا.

قُبَيّلَ توقيع التفاهم على الملف النووي، بدأت أركان هذا المجلس تتداعى في دولٍ شعرت أنه إذا كان الأمريكي سيتفاهَم مع ايران، لماذا يُؤخذ علينا أن نتفاهم مَعَها؟ إذا كانت عمان تستضيف، وكان يُسمَع كعماني مضيف، ما الذي يجري بين الولايات المتحدة وإيران في 2013 و2014 وصولا الى التفاهم في 2015؟ زادت الثقة الكويتية والعمانية باستقلاليتهما، وبدأ التأسيس لمزيد من الموقف القطري الذي رأيناه، والمقاطعين واحدة من حملتهم ضد قطر أَنَها سلكت سلوكا خصوصيا تجاه إيران .

اعتقد ان مستقبل مجلس التعاون منته بمعزل عن الأزمة القطرية السعودية، مما يعطيه مزيد من الزخم لانفراط عقد مجلس التعاون وقد أصبح وراءنا ولم يعد موجوداً.

 

بإمكان الشعوب أن تلعب في المناطق الحرام بين الأنظمة المتخاصمة

برسم النظام: فيما يتعلق بالشعوب، حين تختلف الأنظمة في دول الخليج، هل يمكن أن تكسب في المرحلة القادمة حتى على مستوى المطالب السياسية؟

 

ناصر قنديل: في بداية الثورة الصينية كانت قوات الجيش الأحمر تبحث عن مكان تُخَيِّم فيه واختارت المناطق الحرام بين انتشار الجيوش المتخاصمة، وقالت يمكننا أن نقيم هنا لأن احداً لن يجرؤ على اقتحامنا خوفاً على الآخر. الشعوب يُمكِن أن تلعب في المناطق الحرام، الجزيرة تريد ان تفتح نارا على السعودية والعربية تفتح نارا على قطر. فتح الملفات وكشف الأسرار هو مكسب، وحرب الاستنزاف تُفقدهم القدرات.

من الزاوية الاستراتيجية التحول يتوقف على إرادة القيادة القطرية، هل ستذهب الى النهاية في المراجعة والتموضع على قاعدة خط الشعوب والمقاومة؟ بناءً على ما جرى، وتقول أن الوقوف في ملعب السعودية أو الملعب الأمريكي هو موضع خاطئ، اذا وصلت الى هذه الخلاصة، فبالتأكيد هذه الازمة هي بداية تحول كبير. أما إذا لم تصل فسقف ما يُمكن أن تفيدنا به مهم، ولكن هذا السقف هو استنزاف لقدرات وطاقات كانت ستُكَرَّس ضد إرادة الشعوب، وأنه استثمار لمنابر ستفتح من الجهتين، يُمكن للشعوب أن تستثمرها.

ولكن يجب أن لا نقع في الوهم، وأن لا يقع البحرانيون في الوهم، قطر هي صديق لهم طالما هي على خلاف مع البحرين، ويجب أن لا يقع شعب الجزيرة في المنطقة الشرقية في السعودية في وهمِ أن قطر هي حاضنة، لأن هذه الأجهزة عندما تستلم أسماء ومعلومات اليوم، سوف تقوم بتسليمها غدا على طاولة التفاوض.

 

 



المصدر: مرآة البحرين
رابط الموضوع: http://bhmirror.no-ip.org/news/41171.html