باسم ضيف: داخل القَسَم الطبي حتى آخر قطرة سجن «1-4»

2012-12-16 - 12:26 م


مرآة البحرين (خاص): «أقسم بالله العظيم، أن أراقب مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في جميع أدوارها والأحوال، باذلاً ما في وسعي في استنقاذها من المرض والهلاك والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم وأستر عوراتهم، وأن أكتم أسرارهم وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو، وأثابر على طلب العلم أسخّره لنفع الإنسان لا لأذاه، وأن أوقّر من علّمني، وأُعلّم من يصغرني، وأكون أخاً لكل زميلٍ في المهنة الطبية، ومتعاونين على البر والتقوى، وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين، والله على ما أقول شهيد».

بقَسَم أبقراط، يدخل الطبيب المهنة، بدونه يصبح خارجها. يحاسب الطبيب بقدر ما يفرّغ هذا القَسَم من محتواه، ويكافأ بقدر ما يجعله حيّاً نابضاً فيه. الطبيب وظيفته منح الناس الحياة والأمل وتجنيبهم، قدر الطاقة، الموت والألم. "كان هذا القَسَم هو اختيارنا، حين قرر آخرون اختيار شيء آخر" باسم ضيف (1).

استغرق الأمر مع باسم ضيف أسابيع من الحكي الطويل، كانت اللقاءات تطول لثلاث ساعات أحياناً، استحضار التجربة المعصورة بحكايا الألم ليس أمراً سهلاً، لهذا لن نعيد ترتيب الأحداث، سنتركها كما هي في ذاكرته، مبعثرة، مشوشة، قلقة، وأحياناً قاتلة، لكنها لم تخرج يوماً من دائرة القَسَم، ولم تدخل يوماً في شيء غيرها.
  
بكيت للإنسان..

عصر 18 فبراير "كنا في الاعتصام الذي دعت إليه جميعة الأطباء احتجاجاً على منع الإسعاف من إنقاذ الجرحى والاعتداء على الطواقم الطبية في دوار اللؤلؤة. المكان ممتلئ بالكادر الطبي والإداريين، لم نعتقد أن القدر أوجدنا في ذلك المكان لسبب أكبر، لم ينفك الاعتصام حتى توالت الأخبار عن إصابات بالرصاص، تلك المرة الأولى التي يستخدم فيها رصاص حي، صرحت بذلك لقناة البي بي سي التي تواجدت في المستشفى، ساعد تواجدنا كاستشاريين من جميع التخصصات في الحد من الأضرار التي تعرض لها المصابون، تجاوبنا بسرعة مع الحالات التي أخذت تصل تباعاً، لم نكن معتادين على نوعية الإصابات التي وقعت لا من حيث الكم ولا الكيف، عن نفسي قمت بمباشرة أربع حالات، ثلاث إصابات ناتجة عن إطلاق رصاص حي، ورابعة رصاص انشطاري، ولأول مرة أبكي في غرفة العمليات، لم يحدث أن مررت بموقف كهذا قبل ذاك اليوم، انهمرت دموعي  وأوجعني القتل بدم بارد، لم أكن أعرف أسماءهم ولا طوائفهم، لكن ما حدث أمر لم أتوقع أن يحدث هنا يوماً.

صباح 19 فبراير بدأ باجتماع مع وكيل الوزارة المساعد لشؤون المستشفيات الدكتور أمين الساعاتي، بحضور جميع رؤساء الأقسام والاستشاريين بالمستشفى. تم توزيع أدوار إلى بعض الاستشاريين للإشراف على الأعمال التطوعية في حالات المواجهة، تم التنسيق فيما بين المتواجدين حول ذلك، شرط ألا تتعارض تلك مع الأعمال الاعتيادية. مساءً توجهت لأول مرة إلى دوار اللؤلؤة مع جموع الأطباء والممرضين الذين توجهوا هناك، كررتها مرة أخرى في وقتٍ لاحق.

عالجتهم وشهدوا ضدي..

منذ ذلك اليوم حتى صباح 13 مارس كان الوضع هادئاً، وسير العمل طبيعي، كنا نتواجد بالعيادات، نجري العمليات الاعتيادية في مستشفى السلمانية والمستشفيات الخاصة، ندرّس طلبة الطب، بالنسبة لي كان آخر إسبوعين من شهر فبراير وأول أسبوعين من مارس، هي الفترة التي قمت فيها بمعاينة أكبر عدد من المرضى. كان الوضع هادئاً جداً، ولم أتوقع أن تتعقد الأمور إلى الدرجة التي وصلت إليها.  أما يوم 13 مارس فقد كان صاخباً منذ مطلعه، بدأ بحادثة المرفأ المالي وجامعة البحرين، إصابات كثيرة ومتنوعة، بدا الوضع للحظة جنونياً أكثر من المحتمل. كنت حينها أجري عملياتي الاعتيادية في غرفة العمليات، ولدي حسب جدولي خمس عمليات، بدأت الأولى الساعة 7:15 صباحاً. 

عند الساعة الثامنة، تفاجأنا بدخول رئيسة غرفة العمليات لتخبرنا بأمر رئيس الأطباء الدكتور محمد أمين العوضي، بإيقاف جميع العمليات الاعتيادية، وذلك سبب حدوث مواجهات في منطقة المرفأ المالي. مع الإصابات الوافدة، باشرت الحالات المتعلقة بتخصصي، بينها حالة مواطن من أصول عربية جاء ضمن مصابي جامعة البحرين، لديه إصابة باليد ومعه فتاة مصابة أيضاً، قررت إجراء عملية له لكن تم تأجيلها تبعاً للبروتوكول المعمول به حيث لابد أن يصوم المريض 6 ساعات قبل إجراء العملية، وبناءً على ذلك كانت العملية ستتم مساءً، لكن تفاجأت أن عائلته أخذوه ضد المشورة الطبية، رغم أن والدته اتصلت بي على هاتفي الخاص وطمأنتها، ثم صارت هي وابنها شهود إثبات ضدي في المحكمة.

نمنا في غرفة واحدة..

 
لم ينتهِ اليوم بعد، بدا طويلاً أكثر من اللازم. اليوم الذي بدأ بمواجهاتٍ حامية، انتهى أيضاً على غير خير. حوالي 9 مساءً، تلقيت اتصالاً من رئيسة قسم العظام الدكتورة بدرية توراني - وهي الطبيبة التي سترفض لاحقاً الشهادة لصالحي في المحكمة - أخبرتني بوجود إصابتين بليغتين بمنطقة السيف، توجهت مباشرة للمستشفى، دخلت غرفة العمليات، كان الأطباء المساعدون بدؤوا التجهيز، دخلت للعمليات دون أن أعرف جنسيات المرضى، لم يكن ذلك مهماً أصلاً، علمت لاحقاً أن أحدهما آسيوي والآخر بحريني. عند نزولي من العمليات متوجهاً للمنزل، علمت أن هناك مجموعة من الآسيويين يتم علاجهم، كانت إصاباتهم خارج نطاق تخصصي، غادرت.

يوم الإثنين 14 مارس مر هادئاً، يفصل بين 13  الصاخب، و15  الدموي. ذهبت المستشفى وعاينت مرضاي، غير أن الليل حمل صوت الرصاص لمنازلنا. بدا الصوت مخيفاً وقريباً، نمنا جميعاً في غرفة واحدة، أولادي كانوا خائفين جداً، وزوجتي لم تتمكن من العودة من مركز النعيم الصحي فنامت هناك. استشعرت أن الأمور تمضي نحو الأسوأ، قادني حدسي إلى محاولة الابتعاد عن كل ذلك، بكل الأحوال أنا لا أنتمي للسياسة ولا أريد التورط بها. اتصلت برئيسة القسم وطلبت إجازة لأسبوعين. صدق حدسي منذ اليوم التالي.
الأيام التي تلت رأينا كل شيء ينهار. نتابع مجريات الأمور عبر وسائل التواصل المجتمعي وعبر تلفزيون البحرين كذلك. منه علمنا بدخول الجيش إلى السلمانية ومحاصرة الكوادر الطبية، وكنا نتابع الأكاذيب التي يستفرد ببثها تلفزيون البحرين منها احتلال المستشفى، واحتجاز رهائن، وقتل المرضى، كنا نبكي لتدهور الأوضاع لهذا الحد، ولم ندرك حينها أننا نبكي أنفسنا سلفاً، كنت منكسراً من أجل هذا الشعب، لكن لم تتطور مشاعري في ذلك الوقت إلى مرحلة الخوف.

مساعدي يبكي من أجلي..

17 مارس، تلقيت اتصالاً من الطبيب المساعد لي، وهو من جنسية عربية، طلب مني عدم الحضور، كان يبكي أثناء المحادثة، طمأنته أني في إجازة، وأعطيته التعليمات الخاصة بمرضاي. في هذا اليوم بالذات، بدأ القلق يساورني على أخي، بالتحديد بعد عرض البرنامج الذي تناول موضوع الدكتور غسان ضيف والدكتور علي العكري وعدد من أطباء مستشفى السلمانية بشكلٍ عام، أخذت المخاوف تراودني عن أخي فقط، لم أدرك اني سأكون جزءاً من كل ذلك.
صباح 19 مارس، قرر غسان السفر مع عائلته إلى لندن عصراً، قصدت منزله عند الثانية ظهراً، ودعته، تمنيت أن يكون هناك بخير، عند الخامسة جاء ابني أحمد يحمل خبر اعتقال عمّه، انزعجنا من الخبر خاصة بوجود أمي وتصاعد قلقها عليه، أخذنا ننكر الأمر بشدة، ونؤكد أنها مجرد إشاعات، حاولت الاتصال به دون جدوى، كتبت له عبر الواتس اب لكنه لا يرد.

لا تقتلوا أبي أرجوكم..

يكمل ضيف ذكريات المرحلة الأصعب "قرابة السابعة مساءً، وقفنا نصلي المغرب، دخل ابني محمود صارخاً "الحقوا، هجموا علينا البلطجية!!"، كنا جميعاً بالمنزل، أنا وأسرتي والدتي وأختي وزوجها، اندفعت نحو النافذة، كان تحذير ابني واهناً أمام ما رأيت، عدد غفير من الشرطة والشغب، مدنيين وعسكريين، جميعهم ملثمون ومدججون بالسلاح، طلبنا من الخدم عدم فتح الباب، لكن من الواضح أنهم ليسوا بحاجة ليفتح لهم أحد، لحظات وإذا هم وسط المنزل وفي غرفنا.

كانت دموع ابنتي تتساقط، وأنا أجرجر كالذبيح على عتبات السلم، ضربوني أمامهم لم يبقوا كرامةً لشيء، أهانوني وشتموني وطلبوا فتح الخزينة. سرقوا أكثر من 5000 دينار بحريني، 4000  دولار امريكي، 3700 يورو، 800 دينار مخصصة لأحد المآتم الحسينية، وعدداً من الجنيهات الاسترلينية لا أعرف عددها. طلبوا إخراج كل وثائق الملكيات التي تخصني، استولوا عليها، فتشوا غرف أبنائي، قيدوا يديّ، وجروني عبر السلم الطويل نزولاً، حين نزلت وجدت بعض مقتنيات المنزل محطمة، كان الوضع أشبه بمعركة للتو انتهت، غير أنهم وحدهم، لا شريك لهم في هذا الدمار، طلبت تبديل ملابسي، لم يقبلوا، لن أنسى ليلتها ابني محمود وهو يجثو على ركبتيه أمامهم، يضع القرآن بينه وبينهم، ويقسم عليهم وسط دموعه "لا تقتلوا أبي، أرجوكم لا تقتلوا أبي"، أوجعني عجزي عن تجنيب ابني هذا الألم.   

بعد أيام، أثناء التحقيق، وأنا معصوب العينين، سألني أحدهم: "شخبارك اليوم؟ شخبار محمود؟" سألته:" هل تعرف محمود؟"، قال:"لا أنساه ابداً"!!

أقوى ثالث جهاز استخبارات..

في الساحة المقابلة للمنزل، وقفت عشرات السيارات المدنية والعسكرية، تحاصر منازل الأخوين ضيف، توحي بأن المطلوبين مجرمون عتاة "من أمام منزل أخي غسان، تم إدخالي سيارة مدنية، رأيتهم حينها يجرون سيارات أخي، عرفت يقيناً أنه اعتقل". 

زُججت في السيارة بقوة، تم ضربي وشتمي، أجبرت على إنزال رأسي، كان الطريق طويلاً، والسيارة مسرعة، الوضع مرعب والأسئلة متصارعة. توقفت السيارة. أدخلت مكانا لا أعرفه، عصبوا عيني، بقيت العصابة على عيني 10-12 يوماً، كانت من الجلد، وكنت أشعر بألم شديد بسببها. لم أكن سمعت وقتها عن التحقيقات الجنائية، عرفت اسمها لاحقاً. سمعت أحدهم يقول لآخر "ها، جبتوه، هذا خذه وسووا له كهربا وفيلقه"، لم أعرف بعض المصطلحات حينها، شعرت أن أحدهم بقي معي في الغرفة، انهالت علي الضربات، أخذ يركلني بقوة وبشكلٍ متواصل، طلب مني أن أغني، لم أعرف ما أفعل، هل كان حقاً يريد مني الغناء؟ أعاد طلبه "قول مشيمع يالثور ودوه المصحة"، أخذت أرددها، لكنه طلب أن ألحنها، وكان يضربني كلما غنيت طالباً المزيد، بعد حوالي عشر دقائق متواصلة من الغناء هذه الجملة الجوفاء بدأ التعب يسيطر علي، فتوقف.

أمروني أن أقف. سألني أحدهم: ما تخصصك؟ قلت: طبيب عظام، قال: كم يحتاج الشخص للوقوف كي تنكسر رجله؟ فقلت: لا أعرف، فرد:  الآن ستعرف، بعد تلك المحادثة قضيت 7-10 أيام واقفاً على رجلي، وكانت الفترة الوحيدة التي أجلس فيها هي الدقائق المعدودة المخصصة للأكل.

الشخص نفسه رفع عصابتي، طلب أن أراه جيداً، سألني: هل أنا بحريني؟ قلت: نعم، قال: متأكد؟ لست مجنساً؟ قلت: لا، رد:  كيف عرفت؟ أخبرته أن لهجته تدل على ذلك، فقال:  نحن ثالث أقوى جهاز استخبارات في العالم، تذكر هذا جيداً، الحقيقة أني ما زلت أتذكر ذلك، لكن أيضاً ما زلت أتساءل ما علاقة أسئلته السابقة بالمعلومة التي أهداني إياها تطوعاً!

حين فقد طبيب العظام الإحساس برجله..

الزمن في تجربة المعتقل يختلط بمقدار الألم. خصوصاً في الأيام الأولى التي اختلط فيها الليل بالنهار بالعصابة التي لا تفارق عين يومه. لهذا فالتواريخ التي يقدمها ضيف تقريبية وافتراضية "بقيت حوالي 6-7 أيام في السجن الإنفرادي، كنت معصوب العينين، وضعت يداي مقيدتين خلف ظهري، أجلس دقائق فقط أثناء تناول الوجبات، وكان صوت أخي يصل اليّ عبر الجدران، متألماً باكياً، كنت أسمع صوته وهو يضرب ويعذب ويبكي، وعرفت فيما بعد أنه كان يسمعني أيضاً، من الواضح أننا كنا قريبين من بعض جداً، وأنهم تعمدوا ذلك، لزيادة ألمنا النفسي.

لا يُسمح لنا بالنوم، وفي أوقات مختلفة من اليوم، تفتح الأبواب ويدخل عدد من الاشخاص، يبدأون الضرب والركل، خلال هذه الفترة أصبت بتورم شديد في القدمين والساقين، خاصة اليمنى، ومن شدة التورم فقدت الإحساس برجلي، استمر هذا الأمر لأربعة أشهر وبشكل كامل، ثم أخذ شعر رجلي يتساقط، بسبب الضغط على الشرايين والأوردة، رفض الحراس أخذي لطبيب، وعوضاً عن ذلك سمحوا لي بالجلوس ورفعها على الجدار، كنت لا أقوى على رفعها من شدة الألم، أحضروا لي كرسياً أتعكز عليه عوضاً عن العكازات".

هددت بالصعق الكهربائي، والتحرش الجنسي، والقتل، والاعتداء على عائلتي، كما هددوني بأخذي للسعودية، عدا الشتائم والاتهام بأننا مجرمون وقتلة. بقيت في التحقيقات الجنائية 21 يوماً، كانوا يدخلون علينا في فترات مختلفة، يضربوننا بشكلٍ عشوائي، ويسكبون على أجسادنا شبه العارية الماء البارد، وكان الطقس شتاءً، بقيت بملابسي 12 يوما، لم يكن الاستحمام مسموحاً، ودون نعل أتوجه مضطراً لقضاء حاجتي، وأعود دون غسل يدي.

بعد سبعة أيام عبر الهاتف، لمدة دقيقة واحدة فقط، تسلل صوته الخافت، لم يكن يملك القدرة على الكلام، طلبوا أن يخبر أهله أنه بخير، هكذا ضغط أزرار هاتف المنزل، رد ابنه محمود، ونادى أمه بلهفة المشتاق، يقول:" كانت تلك من اللحظات المؤثرة جداً، وكانت تلك المرة الأولى التي عرف أهلي فيها أني لا أزال على قيد الحياة".

عشرون سلاحاً..

 
في إحدى الليالي أخذوني إلى مبارك بن حويل، عرفت اسمه فيما بعد، قال لأحد الحراس وهو يشير إليّ: هذا قام بفتح بطن مريض وسرق كليته، صُعقت، لم أقو على الرد، أنا طبيب عظام، كيف أفتح بطن أحد؟!! 

حققوا معي مرتين، في المرة الأولى لم يتجاوز الأمر نصف ساعة، لكن التحقيق الثاني استمر8- 9  ساعات، وحمل مفاجآت، قالوا أن بصماتي كانت على أسلحة وجدوها بمنزلي!!  أجبروني على الاعتراف أن الدكتور علي العكري يخبئ عددا من الأسلحة في المستشفى، سألوني عن عددها، قلت: لا أعرف، صرخ بي: يالثور قول، قلت: خمس قطع، فصرخ مجدداً: شنو خمسة؟!!، قلت: عشرين زين؟!! قال: إي، إي زين. أُجبرت أن أقول إن العكري كان يهرب الأسلحة إلى الدوار بمساعدة سيد مرهون رئيس المسعفين، كان الأخير يتواجد في الغرفة المجاورة، وأنا أردد كل ذلك، قاصدين أن يسمع اعترافي عليه، لأنه كما يبدو رفض الاعتراف ضد أحد".

الليلة التي سبقت التحقيق معي، أخذوا أخي غسان، وبعدها سمعتهم يقولون: "خذوه الحوض الجاف. لم أكن أعرف ما يعني ذلك، سألت فقالوا إنه السجن، نقلت ليلتها بسيارة مدنية، ولأول مرة منذ 21 يوماً أتنفس هواءً نظيفاً، كان الجو بارداً، وشعرت أن نسمات الهواء تتسلل لروحي المعتمة فتضيئها، لم يطل هذا الضوء.

في المكان الذي وُعدت فيه بسرير مريح، وطعام جيد كما أوهمني مبارك بن حويل كي أعترف بما لم يحدث،  لوهلةٍ صدقته، اعتقدت أني سأكون حقاً بمكانٍ أفضل، ربما اليأس قادني لتصديق شخص مثله. كنت أظن حينها أن وجبات التعذيب ستقل. لكننا وضعنا بمكانٍ لا سرير فيه، والتعذيب وجبات مثل الطعام. لن أنسى أحد العساكر الآسيويين الذي ركلني بحذائه العسكري في صدري، طوال فترة التعذيب، لم أختبر ألماً مشابهاً. بقينا نردد صباح  كل يوم  السلام الملكي:  عاش عاش بو سلمان، والشعب يريد خليفة بن سلمان.

القيد البلاستيكي حول معصمي كان مشدوداً، كنت أتألم منه كثيراً، لكن لسببٍ أجهله بدأ ينفك رويداً رويداً، كان الحراس يراقبون، لاحظ أحدهم أن وثاقي قد انفك، جاء مسرعاً، وقام بإغلاقه بإحكام، تسبب لي ذلك بألم مضاعف، كنت أقول في نفسي "يا رب أرني معجزاتك"، وانفك مجدداً، فلم أحرك يدي، أبقيتها مرتاحة دون أن أظهر ذلك أمامهم، لكن يبدو أني غفوت فجأة فانزلقت يدي، وجاء الحارس مجدداً، ضربني هذه المرة، ورصّها بقسوة، كنت أرجوه بكل اللغات التي أعرفها أن يتوقف.

كان مريضي..

جاء أحد العساكر ليلاً، طلب أن أرافقه، مشيت في ممر ضيق، لم يطل مشينا حتى فاجأنا صوت جهور، سألني: انته باسم؟ قلت: نعم، قال: يالثور اشسويت في روحك، ليش جذي؟! لم أتعرف عليه، لايبدو لي أني أعرفه، قال: تعرف إني كنت أحد مرضاك، وأنك أجريت لي عملية في الركبة!! لم تكن تلك الحادثة الأولى التي اكتشف فيها أن بعض هؤلاء الجلادين كانوا ذات يوم مرضاي، خففت يوماً جراحهم، وحفروا اليوم جراحي، سألني: ماذا تريد الآن؟ قلت: أريد أن أنام، نادى الشرطي، طلب منه أن يوفر لي فراشا، وأخبرته عن ألم القيد، فنقله للأمام، شكوت له ضربي وتعذيبي، فقال: يه هني بعد يطقون؟! 

أخيراً جاؤوا بالفراش، ذهبت في نوم عميق، مرت بعض الساعات قبل أن أصحو على صوت آسيوي: هفكري قدام ها، واسطة!!، أمرني أن أقوم بتمارين، أخذت أقف وأنزل، كان نوعاً من التعذيب الناعم، وتغير الطاقم، فقال: خلاص، ما في مرقد، خلي هفكري ورا..

يوم صمت صوت صقر..

الزنارين كلها أصوات تضج بالعذابات "كان يصلني صوت رجل، ما أفزعني ليس تعذيبه، بل كلمة الحمد لله يرددها مع كل سياط يجلد جسده، عرفت لاحقاً أنه الشهيد زكريا العشيري، وكان يصلني صوت أخي غسان ودكتور عبدالخالق العريبي وهما يرددان الشعب يريد خليفة بن سلمان، لكن أسوأ ما حدث، كان تعذيب رجل بيننا، في ذات الزنزانة، كان مربوط الرجلين، مغطى الرأس، مقيد اليدين، وكان في فمه لجام، عرفت ذلك من معتقل جنائي آسيوي يحضر لنا الإفطار صباحاً. كان المقيد الملجوم هو الشهيد علي صقر، لم أعرف اسمه إلا بعد استشهاده بأسبوعين أو ربما عشرة أيام، كان رفيق زنزانتي في سجن الحوض الجاف، هما يومان فقط قبل أن يختفي صوته للأبد. 

كان صقر يطلب الذهاب إلى الحمام لقضاء حاجته فلا يسمح له، رجلاه مربوطتان برباط بلاستيكي، وبيديه القيود، وكلما أعادوه بعد وجبة التعذيب ارتمى فوقي، لم أكن أراه، لكني استشعر قوة جسده، كان يرتمي في حجري، ويطلب أن أفك قيوده، كم كنت عاجزاً عن مساعدته والتخفيف عنه. في ذلك اليوم توقف صوت صقر. وساد الصمت في تلك الزنزانة الباردة. جاؤوني. اقتادوني لمكان أجهله، ضربوني، وسألوني ماذا رأيت؟ قلت لم أر شيئاً، ولم أكن أكذب، فقد كنت معصوب العينين، لكنهم استمروا بالسؤال، ثم أعطوني ورقة طلبوا مني أن أوقع وأبصم أيضاً، دون أن أرى ما كان بتلك الورقة!

يكمل ضيف: قضيت في التحقيقات الجنائية ثلاثة وعشرين يوماً، لكن ما لقيته في سجن الحوض الجاف كان موتاً لا يطاق، وكان للشهيد نصيب الأسد مما لقينا، علمت بعد مدة أن اثنين توفيا بالسجن، صقر والعشيري الذي كان يحمد الله على عذابه بامتنان نادر، لم أكن حينها أعرفهما، ولا حتى بالاسم، عرفت شيئاً واحداً وقتها، أن موتهما كان رحمةً علينا جميعاً، يوم توفيا توقف التعذيب بسجن الحوض الجاف، بعد استشهادهما فكوا قيودنا، رفعوا العصابات عن أعيننا، وأحضروا لنا فراشاً للنوم وسمحوا لنا بالجلوس لفترة ممتدة لأول مرة منذ 26 يوماً.


هامش:

(1) الدكتور باسم ضيف: زميل الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا وزميل الكلية الملكية للجراحين في جراحة العظام، يبلغ من العمر  48عاماً وهو استشاري وجرَّاح عظام في مجمع السلمانية الطبي في البحرين.

هو أيضاً..

  • أستاذ مشارك في كلية الطب في جامعة الخليج العربي.
  • الرئيس السابق لقسم جراحة العظام.
  • الرئيس السابق لجمعية جراحة العظام البحرينيه
  • الرئيس السابق الاتحاد البحريني للطب الرياضي  
  • أجرى الدكتور باسم آلاف العمليات الجراحية خلال مسيرته المهنية، بما في ذلك إجراء عمليات جراحية للعديد من اللاعبين من مختلف الفرق الرياضية الوطنية، من بينهم لاعبي كرة قدم ولاعبي كرة سلة ولاعبي كرة طائرة وغيرها.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus