غسان ضيف، زهرة السماك: معاً في الجنايات.. معاً حتى النهايات «4-4»

2012-12-10 - 1:21 ص


مرآة البحرين (خاص): عائلة ضيف كان لها وضعها الخاص، اعتقال 3 أطباء من العائلة نفسها: غسان، وزوجته زهرة السمّاك، وأخوه الأكبر باسم. الجميع حوكموا عسكرياً. أطفال غسان وزهرة المدللين والمرفهين، وقعوا في تجربة أكبر من أن يتخيلوها فضلاً عن أن يعيشوها: أكثر من 3 أسابيع بلا أم ولا أب، وأكثر من خمسة أشهر بلا أب، وتجربة مرعبة لهم في مبنى التحقيقات، وترقب مجهول لم يكونوا يعرفوا معه أي مصير ينتظر والديهم، لقد كبروا فجأة، وانكسر في داخلهم الكثير الكثير، عدا شعورهم بالفخر لما قام به والديهم، لا زال يكبر كل يوم.

كان حافظ كويس..

في الحلقة السابقة عايشنا جزءاً من تجربة غسان داخل المعتقل. توقفنا عند تصوير (اعترافات) الكادر الطبي الملفقة التي بثت على شاشات تلفزيون البحرين. الثمن: صدور عفو ملكي يخلى بعده سبيلهم. لكن لا عفو جاء ولا إفراج نزل.
 
حتى ذلك اليوم لم تكن زهرة المعتقلة هي الأخرى، تعلم عن زوجها شيئاً، وليس لأحدهما سبيل إلى الآخر، لكن  ليلاً، وبعد الانتهاء من تصوير (الاعترافات)، عادت كل من جليلة العالي وندى ضيف ورولا الصفار يحملن لها الأخبار..

" كانت المرة الأولى التي أسمع فيها خبراً عن غسان" تقول زهرة، "كن يعلمن مقدار قلقلي على غسان وخوفي عليه، قلن لي: اطمئني سمعنا صوت غسان وكان واضحاً أنه بصحة جيدة وأنه قوي جداً، ثم قلن لي ممازحات: "كان حافظ كويس"، ضحكنا، قلت لهن: من المؤكد أنهم وعدوه بالإفراج".

كانت جليلة العالي آخر من تم تصوير (اعترافاتها). طلبت منهم أن ينزعوا عنها العصابة لأنها متعبة وهي الأخيرة. قالوا لها: يفضل أن لا تنزعيها ربما ترين مشهداً لا يعجبك. قالت: أنا متعبة إن أمكن أن تنزعوها مني. رفعوا العصابة عن عينها فصُدمت. رأت أمامها الأطباء يجلسون في قاعة واحدة حليقي الرأس وقد فقدوا الكثير من الوزن وكانوا معصوبي الأعين وموثقي الأيدي وفي حال مزرية. لم تصدق عينيها وبعضهم لم تتعرف إليه، تمنت لو لم تر المشهد فعلاً. تقول زهرة: " أخبرتنا جليلة بما شاهدته وكانت متأثرة جداً بما رأت. بالنسبة لي، كان الأهم حينها أن غسان كان لا يزال حياً وبصحة جيدة". 

الأيام الأخيرة للسلامة الوطنية..

يكمل غسان حكاية سجنه، "بعد لعبة (الاعترافات) سمح لنا بتسلم الثياب التي أحضرها لنا أهالينا، بالأحرى هي تبديلة واحدة فقط، أي بعد أكثر من شهر، كما سمح لنا بالاستحمام يوما واحدا في الأسبوع. كل يوم جمعة يسكبون في أيدينا كمية صغيرة من الشامبو لغسل شعرك وجسمك وكل شيء. ثم نرتدي الثياب ذاتها.

"أيضاً كانوا يقومون بحلاقة رؤوسنا كل عشرة أيام، حلاقة كاملة، يجلسوننا جميعنا، ثم بماكينة واحدة يتم حلق رؤوسنا واحداً وراء الآخر، ابتداء من الرأس ثم الشارب واللحية في فرّة واحدة. الماكينة نفسها للجميع بلا  توقف ولا تنظيف. كنا نشعر بإذلال بالغ لن ننساه أبداً".

"بقينا في هذا المعتقل حتى 31 مايو" يكمل غسان "من خلال المعتقلين الجدد الذين يفدون علينا في الزنزانة علمنا أن فترة السلامة الوطنية قد جرى تقليصها. كانت كل الأخبار المسربة إلينا تشير إلى أنه بعد انتهاء فترة السلامة، ستكون هناك إفراجات وسيتم البدء بنا نحن الأطباء بسبب الضغوط الدولية على الحكومة في قضيتنا بالذات. حتى العساكر كانوا يقولون لنا أن هناك إفراجات ستأتي وأنتم أول المفرج عنكم. كنا متفائلين وننتظر هذا اليوم القريب. في ذلك اليوم تم نقلنا إلى عنبر جديد. كان يوماً مأساوياً بالنسبة لنا، فالنقل يعني أنه لا نية موجودة بالإفراج". 

"في ذلك اليوم جاءنا أحدهم بعد وجبة الغذاء: "يلا قوم قوم قوم كل واحد يشيل أغراضه"، كل واحد فينا حمل كأسه في يده وفراش نومه ولحافه ومخدته، خرجنا، كانت المرة الأولى التي نرى فيها شكل السجن الذي نعيش فيه، في العادة نخرج معصوبي الأعين، ولأول مرة نرى الشمس. كنا نركض ونحن نحمل أغراضنا، وصلنا إلى عنبر محكم، زنازينه لا منفذ للضوء فيها، كان مكتوماً وموحشاً، الميزة الوحيدة التي تتوفر عليها هذه الزنازين هي أن بداخلها حماماً خاصاً لكل زنزانة. كانت صغيرة جداً. تم تقليص عددنا من 14 إلى 10 بسبب ضيقها".

بعد صلاة فجر 6 يونيو

"بقينا على هذه الحال حتى تاريخ 5 يونيو" يقول غسان، ويكمل "دخل علينا شرطي مساء وقال لنا تجهزوا غداً، سيأخذونكم بعد صلاة الفجر. سألنا: إلى أين؟ أجاب: "ما عليكم إنتو بس كل واحد يسبح ويلبس ثيابه" في هذه الفترة كان لدينا غياران للتبديل".

اعتقد الأطباء أن اللحظة اقتربت، وأنهم سيعانقون الحرية بعد ساعات قليلة، طارت قلوبهم من الفرح، وبدأ كل منهم يبشّر الآخر، أنهم قريبون من رؤية الشمس "أنا وصادق جعفر كنا قد اتفقنا أن الليلة التي سيفرج فيها عنا سنقضيها في العبادة والدعاء، وفعلاً بقينا كذلك حتى صلاة الصبح. كان شهر رجب وكنت صائماً حينها كعادتي كل عام. أيضاً كان الدكتور نادر الديواني صائماً". 

صار صباح 6 يونيو "أوقفونا في مقابل الجدار، ربطوا أعيننا، ووثقوا أيدينا. أخرجونا من العنبر إلى السيارة، وكانت المفاجأة الأولى، في المسافة بينهما انهالوا علينا بالضرب المذل والمهين، بالأرجل والأيدي والهراوات في كل مكان من أجسادنا، حتى أن الدكتور عبد الله الدرازي انكسر أنفه وسال دمه".

ليس هذا فقط"أركبونا بعدها ميني باص صغير لا يسع لأكثر من 7 ركاب، كنا 15 شخصاً مقيدين، تم حشرنا داخل الباص بشكل مهين، وكان القيد يحز في أيدينا، وكلما ارتفعت السيارة على مطب أو ما شابه كان الأفكري يضغط على أيدينا أكثر، كان سعيد السماهيجي يصرخ من شدة الألم".
 
يكمل غسان: "لم نكن مدركين لما يحدث، ولماذا يضربوننا بهذا الشكل ويهينونا قبل الإفراج عنا؟ هل من المعقول أنهم يقومون بنقلنا إلى أحد مراكز الشرطة لتسليمنا إلى أهالينا؟ كنا نسمع أن المفرج عنهم يؤخذون إلى مراكز الشرطة ومن هناك يسلمون إلى أهاليهم". 

صدمة المحاكمة الأولى..

 
لم يكن الأطباء حتى هذه اللحظة يريدون تصديق شيء آخر غير أنهم ذاهبون نحو الحرية: الإفراااج. لكن ماذا كان ينتظرهم؟ يكمل غسان: "وصلنا للمكان المحدد، أنزلونا من الباصات، وانهالوا علينا بالضرب مجدداً، كنا مجموعة من الباصات حسب ما عرفنا بعد ذلك، 40 شخصاً جميعنا من الكادر الطبي، لم نعرف أين نحن وماذا يحدث؟".

"نادوا أسماءنا، وهنا عرفنا من كان معنا، أبقونا واقفين في الشمس لمدة ساعتين كاملتين. كنا مشتاقين لرؤية الشمس، لكننا لم نرها، اكتوينا بنارها فقط، كان الطقس حاراً جداً" يضيف غسان.

حتى الآن، لم يعرف الكادر الطبي أنهم أمام المحكمة العسكرية. تم تقسيمهم إلى مجموعتين. 20 بكل مجموعة. الأولى تبدأ بالدكتور علي العكري وتنتهي بسعيد السماهيجي. والثانية تبدأ بالدكتور صادق جعفر ومعهم صادق عبدالله وعارف رجب وشهيد فضل بالإضافة إلى المسعفين. يقول غسان: "سألناهم: لماذا تقسموننا مجموعتين؟! لم يجيبونا، عرفنا بعدها أننا في المحكمة. نادوا المجموعة الأولى، دخلنا، للمرة الأولى أرى زوجتي، كانت تقف أمامي مع عدد من الزميلات المحاكمات. عرفت أن زهرة قد أفرج عنها قبل أن أكتشف أنها ستحاكم معي في نفس القضية الجنائية. كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي. لم أستطع أن أمسك نفسي من البكاء. كان القاضي ينادي اسمي ولم أكن قادراً على قول نعم من شدة البكاء. بقيت طوال الوقت أنظر لعائلتي وأبكي. رأيت أبي هناك وأخواتي. لم أتوقع طوال عمري أن أقف في محكمة وفي قفص اتهام وبهذه الطريقة. كان الأمر صعباً جداً جداً".

جنايتان؟!!

كانت زهرة قد أفرج عنها منذ 4 مايو، معها ندى ضيف وجليلة العالي وفاطمة حاجي وأخريات. كن يعتقدن أن المسألة انتهت بالنسبة لهن عند هذا الحد فقط. لكن ليس هذا ما حدث. تقول زهرة: "يوم الجمعة 3 يونيو اتصلوا   بنا من التحقيقات وقالوا: تعالوا يوم الأحد لديكم محكمة عسكرية. كان الأمر مفاجئاً لنا. يا الله.. ألم ننته بعد؟". تكمل: " ذهبنا يوم الأحد، فقالوا لنا لا توجد محكمة اليوم، تعالوا غداً مع باقي المجموعة. كان معنا زوج ندى ضيف، ذهب يكلم الضابط وألقى نظرة على الأسماء، فعاد لنا وأخبرنا أن الكادر الطبي من النساء تم وضعهن في قضية الجنح، والرجال في قضية الجنايات، هذا حسب توزيع الأسماء التي شاهده في أيديهم".

"عدت إلى البيت، لم يلبث أن جاءني اتصال آخر من التحقيقات: غداً محاكمة عسكرية لغسان إذا أردتم إحضار محامي له. قلت لهم: من أين آتي بمحامي الآن. قالوا: تصرفوا". 

الإثنين 6 يونيو، ذهبت زهرة عند السابعة صباحاً كما أخبروها. "أجلسونا في غرفة صغيرة، ولا نعرف ماذا يحدث. بقينا جالسات هناك حتى الساعة العاشرة. خلالها كان بعض الشرطة يدخلون علينا في الغرفة، رجوتهم أن ألتقي زوجي ولو لـ5 دقائق فقط. قالوا لي: انشاء لله بنحاول بنحاول. كنت قد سمعت أن من يطلب اللقاء في المحكمة يُسمح له، الرموز سمحوا لهم وبعض الشباب. بقيت ألح عليهم، وقالوا لي سنسأل القاضي إذا سمح". 

تكمل زهرة: "ثم أتى أحدهم بقائمة أسماء ونادوا بعضنا، كان اسمي من بينهم وندى ورولا ونجاح خليل وضياء وفاطمة حاجي. دخلنا القاعة أوقفونا على جانب القاعة من الأمام. ثم أدخلوا الرجال وصاروا وراءنا، لم نكن نستطع فر رؤوسنا أو الالتفات للوراء. القاضي تلا الأسماء، ثم تلا التهم التي سمعناها للمرة الأولى، استوعبت حينها أن اسمي قد أدرج ضمن مجموعة الجنايات.. يا إلهي.. جنايات أيضاً؟!! أنا وغسان جنايات؟!! من لأطفالنا إذا؟!! أصابني انهيار.."

كانت الجلسة قصيرة وسريعة. القاضي تلا التهم، وسأل المتهمين إذا كان لديهم محامون أم لا. أكثر من النصف لم يكونوا قد أوكلوا محامين لأنهم لا يعرفون بالمحاكمة أصلاً. تم تأجيل المحاكمة "مجرد أن أعادوني الغرفة مع الكادر الطبي المحاكم من النساء انهرت وجلست أبكي بشدة" تقول زهرة "الجميع التففن حولي وحاولن تهدئتي، كنت أقول لهم: على الأقل أحدنا يكون مع الأطفال، لكنْ كلانا جنايات هذه مصيبة كبيرة". 

اللقاء الأول: النحيب..

بعد الجلسة سمح للكادر الطبي بالالتقاء بذويه. في القاعة نفسها التي تمت فيها المحاكمة، تم إفراغها من الجميع، ثم إدخال العوائل وإجلاسهم على كراسي القاعة، ثم إدخال الكادر الطبي ليذهب كل واحد منهم إلى مكان جلوس عائلته " كان معي والد غسان وأخته بسمة وأخته ريم ومها زوجة باسم. ما إن رآني غسان حتى احتضنني بقوة. كان كلانا في حالة سيئة جداً لكنه كان منهاراً أكثر. كل همّه أن يعرف ما أصابني خلال الاعتقال وما تعرضت له: ماذا عملوا فيك؟ هل تعرضت لتعذيب؟ حاولت تهدئته وقلت له لم يصبني شيء أنا بخير". 

المشهد الأكثر ألماً كان عندما شاهد غسان والده للمرة الأولى، انهار عند قدميه وأخذ يقبلها، وهو ينتحب مثل طفل صغير فاقد لأبيه منذ زمن، رفعه والده بين يديه: "يا ولدي أنا فخور بكما، لقد رفعتما رأسي ورأس البلد". لم توقف هذه الكلمات نحيب غسان الذي راح يشكو لوالده: "أنا شفت أخوي عذبوه قدامي، أخوي كان يصيح قدامي، أخوي كانوا يضربونة قدامي وأنا مو قادر أسوي شي"، كان يبكي بحرقة ويفضّ ما بداخله وكأنه للتو قد وجد الصدر الذي يستطيع أن يلقي عنده انكساراته كلها وأوجاعه كلها. بقيت العائلة تحاول تهدئة غسان بأنهم  يحمدون الله كثيراً أنه وباسماً لا يزالان بصحة جيدة، وأنهما بخير الآن.

زيارة الحاجز الزجاجي..

بعد يومين من المحكمة اتصل كل من غسان وباسم بعوائلهم، أخبراهم أن زيارة قريبة قد يسمح بها خلال أيام. تقول زهرة: " بالفعل تلقينا اتصالاً من التحقيقات لزيارة، وأن العدد المسموح به هو 3 أشخاص فقط. قلت لهم: هو لديه 3 أبناء وأنا الرابعة ووالداه يريدان رؤيته؟ قالوا: غير مسموح أكثر من 3". 

تكمل زهرة: "قررنا أن نذهب ونحاول الدخول ربما يسمحون لنا. وهناك كان التشديد كبيراً جداً على العدد والصلة. لم يُسمح لأحد قبلي. كنت يائسة لكنني بقيت أرجوهم عند الباب وأقول لهم أرجوكم هؤلاء أطفال صغار لم يروا والدهم منذ أشهر. بعد مفاوضات كبيرة سمحوا لي بالدخول مع أبنائي فقط. كانوا يصوروننا ونحن ندخل لكي يوثقوا أنهم سمحوا للأهالي بزيارة أبنائهم".

"أخذونا في باص إلى (كابينات). نزلنا، دخلنا، وكانت الصدمة. كان حاجزاً زجاجياً كبيراً يفصل بيننا وبينه. الحاجز به فتحات (خروم) صغيرة جداً تسمح بمرور الصوت فقط. كأننا أمام مجرم من أولئك الذين نراهم في الأفلام والذين يتم عزلهم بسبب خطورتهم على الآخرين. كانت صدمتنا كبيرة أن يكون لقاؤنا الأول بهذه الطريقة القاسية والمهينة. رأيت وجوه أطفالي كيف بهتت حين شاهدوا هذا الحاجز أمامهم. كم كانوا متشوقين لرؤية والدهم ولمسه واحتضانه. طوال وقت اللقاء كانوا يبكون بحسرة وألم. ليس أصعب من أن تعيش العزل وأنت في كل هذه المسافة من القرب. لم يكف الجميع عن البكاء طوال اللقاء. شعرنا أن هذا اللقاء كسرنا أكثر".

يوم طردوني من المحكمة..

تواصلت جلسات المحكمة العسكرية. في الجلسة الثانية اتفق الكادر الطبي المحاكم مع محاميهم أن يذكروا أمام القاضي أن اعترافاتهم انتزعت تحت التعذيب. تقول زهرة: "أمرنا القاضي منذ البداية أن نقول فقط كلمة: مذنب أو غير مذنب. بدأ علي العكري وقال أنا غير مذنب وذكر التعذيب. صرخ القاضي به: قلت لكم لا أريد أكثر من كلمة مذنب أو غير مذنب. تكرر الأمر وآخرون خافوا وسكتوا. جاء دور رولى وتكلمت فنهرها وهدد بأنه سيبدأ بأخذ إجراء مع من لا يلتزم. جاء دوري، كان رقمي 20 فقلت غير مذنبة وتكلمت عن تعذيبي، مباشرة قال لهم: خذوها. أخرجوني. المحامون خائفون أن يتم توقيفي لمدة 24 ساعة. لكن لم يحدث. كانت القائمة بأعمال السفير الأمريكي موجودة في المحكمة".

الاكتئاب الذي لا مضاد له..

في نهاية شهر يوليو، بدأ إطلاق سراح عدد من رفقاء الزنزانة: الدكتور صادق جعفر، صادق عبدالله، عبد الله الدرازي. فرح غسان لخروجهم لكنه تأثر بافتقاده لهم كثيراً. فالعلاقات في السجن تصير حميمية أكثر والحاجة النفسية لها تكون أقوى. الأصعب  أن غسان وجد نفسه وحيداً: "لماذا لم يطلق سراحي مع المجموعة؟" كان هذا التراكم كافياً ليقع غسان في انهيار عصبي ويؤخذ إلى العيادة. "وضعوا لي مصلاً (سيلان) وأعطوني أدوية، حالتي النفسية تدهورت كثيراً، أتى أحد المسؤولين وقال لي: كيف نستطيع مساعدتك؟ ماذا تريد؟ قلت لهم: على الأقل ضعوني مع أخي باسم في زنزانة واحدة. قال: هذا ممنوع. لكن بعدها بيومين نقلوني مع باسم. هذا خفف عليّ إلى حد ما".

أيام، ويتم إطلاق  6 من الكادر الطبي الموجود معهم في الزنزانة نفسها. تقلص العدد من 10 إلى 4. بقى: غسان وباسم وحسن التوبلاني ومحمود أصغر "ارتفع الإحباط عندي أكثر. بدأ اليأس يسيطر عليّ. لم أتمكن من السيطرة على نفسي. كان انهياري النفسي يزداد كل يوم. في هذه الفترة طلبت تحويلي على طبيب نفسي، لم يسمح لي في البداية، لكن مع تفاقم حالتي أخذوني. بدأت أتعاطى مضادات الاكتئاب. تدهور حالتي أوصلني إلى تعاطي 3 أنواع من مضادات الاكتئاب".

بعد زيارة بسيوني..

 
بعد زيارة بسيوني للسجون والتقائه بالمحاكمين والمعتقلين، تحسنت الأمور بدرجة كبيرة. يقول غسان "بعدها سمحوا لنا بالاتصال بصورة يومية، كل يوم مسموح لنا بدقيقتين. إضافة إلى ذلك تم تسهيل الزيارات، صار لدينا 1-2 زيارة في الاسبوع. في رمضان سمح لنا بزيارات مسائية بحيث تستطيع العائلة أن تحضر لنا ونفطر معها. سمح بإدخال طعام الفطور".

تضيف زهرة: "صارت لنا علاقة مع العميل ومدراء السجن، فكنت أتصل بهم وأرجوهم أن يسمحوا لنا بإدخال بعض الطعام. صرت أتصل: اليوم عيد ميلاد محمد ممكن تعطونا زيارة؟ فكانوا يتعاونون معنا. ولأن الوضع النفسي لغسان معروف فقد صاروا يحاولون تسهيل كل ما يتعلق به".

الإضراب عن الطعام..

سبق خطاب الملك بمناسبة العشر الأواخر تلميحات بأنه سيحمل انفراجة ما وإفراجات. كان الطاقم الطبي المتبقى ينتظر أن يسمع شيئاً مثل هذا. لكن الخطاب كالعادة جاء صادماً ومخيباً ومنصرفاً عن الواقع. الكادر الطبي المحبط قرر أن يقوم بإضراب عن الطعام. وجده خياره الأخير بعد حالة الإحباط واليأس التي وصل لها. تم البدء في الإضراب عن الطعام في نهاية شهر رمضان.

" كنا نعتمد على العصائر واللبن لنعوض الأملاح التي نفقدها. كان يغمى علي بشكل يومي ويأخذونني للعيادة ويضعون المغذي (السيلان). زارنا أحد أعضاء لجنة بسيوني وجلس معنا، كان متعاطفاً معنا وقال لنا إننا قلنا للحكومة بأن هؤلاء ليسوا مجرمين وأنهم كادر طبي ليس مكانه المحكمة أصلاً، لكن لا أحد يستجيب حتى الآن".

الإفراااااج..

استمر الإضراب عن الطعام 12 يوما، حتى جلسة المحاكمة التالية: جلسة شهود النفي "لأول مرة أذهب وأشعر بأني متفائلة" تقول زهرة. تكمل " غسان أيضاً كان لديه شعور قوي بالإفراج، كان على غير عادته، لم تفارق الابتسامة وجهه طوال فترة المحاكمة" استمرت الجلسة حتى الساعة السادسة مساء. كان القاضي يأخذ استراحة ويعود. 
انتهت الجلسة، وصار الحكم قيد التداول. حتى الساعة السادسة لا شيء. المحامون يئسوا. قالوا: من الواضح أنه لا توجد نية بالإفراج اليوم. غادروا. بقي الأهالي مع معتقليهم "سمحوا لنا بالزيارة فجلسنا معاً. بقينا مدة قبل أن يدخل أمين السر ويعلن: الإفرااااااج عن جميع المتهمين!!

لم يكن أحد منتبهاً في البداية. الجميع منشغل في الكلام. فجأة سكت الجميع مرة واحدة. وكأن الجميع أرادوا استرجاع ما سمعوه للتو. الدهشة علت الوجوه قبل أن تتحول التعابير إلى شهقات ثم ابتسامات ثم صراخ ثم صياح ثم صلوات ثم فوضى جميلة ترجّ المكان "سجدنا لله شكرآً والدموع تخالط ضحكنا وصراخنا وصلواتنا وصياحنا. صرنا في حالة هستيرية من الفرح. لم أشعر بنفسي إلا وغسان يحملني غير مصدق لما سمع، كانت لحظة لا يمكن أن تُنسى" تتذكر زهرة بابتسامة تختلط بالدموع.

اللحظة التي لا توصف..

يكمل غسان: " أخذونا بعدها في الباص، كنا نغني فرحاً ونكاد نطير، سيد مرهون يغني لنا: إفراج الليلة إفراج، بنركب الباص بنشرب الكوفي إفراج.. وكنا نغني معه ونصفق. سألنا الشرطي الذي كان معنا: متى سيخلى سبيلنا؟ قال: الآن ..الآن.. بعد نصف ساعة فقط".

"وصلنا الحوض الجاف كان العميد أبو علي في انتظارنا عند الباب، قال لنا مبتهجاً: يلا بسرعة..  كلكم روحوا العيادة.. بس يفحصون عليكم وانتو ماخذين أغراضكم وطالعين. ركضنا إلى العيادة مثل الأطفال الصغارالذين يتسابقون ليكون كل منهم هو الأول. فحصونا سريعاً. أعطانا العميد أبو علي هاتفه وقال: اتصلوا بمن تريدون إخبارهم. كان الجميع لديه الخبر".

زهرة والأطفال وجميع عوائل الكادر الطبي توافدوا إلى خارج مركز الحوض الجاف. العديد من زملاء الكادر الطبي ورفقاء الزنزانة الذين سبقوهم إلى خارج السجن والأصدقاء والمتضامنين توافدوا سريعاً أيضاً إلى هناك. فتح باب المركز وسمح للجميع بالدخول إلى الباحة. لم يطل الوقت حتى بدأ خروج الكادر الطبي واحداً وراء الآخر. تلقفتهم أيدي الأهل والأصدقاء والأحبة وصار الجميع في عناق الحرية. 

كان هذا عند سجن الحوض الجاف، لكن عند بيت غسان وباسم كانت تنتظرهم زفّة خاصة أخرى: "منذ وصلنا بالسيارة إلى مركز مدينة عيسى الذي يبعد أكثر من كيلومتر من بيتي تفاجأت بأعداد الناس. بعد نصف المسافة  وقفت السيارة وجاءني أحدهم وفتح الباب وحملني. صرت لا أرى نفسي إلا فوق أكتاف الناس يرمونني وأطير في الهواء ويتلقفونني. وجدت نفسي غارقاً في موج فرح الناس، وأنا كمن لا يستوعب ما يدور حوله. كانت دموعي تختلط بالضحك والناس يهتفون بشعارات النصر والفرح وأشعار العزة والكرامة ويهتفون باسمي وباسم باسم. كان موقفاً كبيراً جداً جداً لن أنساه. كان مشهداً لا يمكن أن يوصف، لكنه يعاش فقط".



التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus