الدمستاني يستعيد رسالة الكادر الطبي لبسيوني: الأجدر بك الالتقاء بالكوادر الطبية قبل التصريح بعدم منهجية التعذيب »4-4»

2012-11-23 - 10:25 ص


مرآة البحرين (خاص)
البحرين - ابتسام صالح


صدفة ربما أو باعث من القدر أوعز لنا إلى إجراء هذا اللقاء، مع شخص بتنا نعرف أنه صار وراء القضبان الآن. كنا قررنا في «مرآة البحرين» في بداية شهر رمضان الماضي، القيام بمهمة كتابة سير «الكادر الطبي». كنا نرى أن مأساتهم لا تشبه أي مأساة. ويستحقون لذلك أن يعرف الناس، شيئاً آخر من صميم حياتهم، غير ما عرفوه. وضعنا الأجندة، وقمنا بالمهام. كان إبراهيم الدمستاني أحد هؤلاء. لم نكن نعلم، وربما حتى ولا هو، أن الفسحة الوقتية التي منح إياها خارج السجن، ستنتهي به إلى السجن ثانية. على العموم، فنحن قد التقيناه. أجرينا حوارات مطوّلة معه، إضافة إلى سواه. حين عدنا لتحرير حوار الدمستاني، وجدنا أن في لغته  من بلاغة التعبير، معطوفة على تجربة مرّة، ما يمكن معها قول كل شيء. استغنينا عن أسئلتنا، وأبقينا متعة السرد العجيبة التي كانت تتدفق من لسانه كما تتدفق من لسان واحد من أولي الفصاحة والتعبير. في هذه الحلقة نتحدث عن الدمستاني قبل تجربة 14 فبراير حتى الدخول فيها ثم يباشر إبراهيم الدمستاني عرض تفاصيل الأسبوع الأول من الاعتقال. كيف تمّ اعتقاله، وإلى أين تم اقتياده ومن الضباط الذين أشرفوا على تعذيبه... وأين! لنتركه يتحدث بنفسه..


في المقابلة مع فريق بسيوني قدموا لنا أوراقا وأقلاما وطلبوا منا كتابة ما نريد. في اللقاء أثير موضوع تصريح عن السيد بسيوني نشر في صحيفة الأيام قال فيه إن سياسة التعذيب ليست ممنهجة، وأن ما حصل هو تصرفات شخصية. على أثر ذلك صغتُ رسالة في 8 أغسطس/آب عبرت فيها عن استيائنا من تصريحه، ملخصها: "كان من الأجدر بك الالتقاء بالكوادر الطبية قبل التصريح بعدم منهجية التعذيب لا أن ترسل فريقك بدونك. نريد حضورك شخصيا فورا للمعتقل لنثبت ونؤكد لك منهجية التعذيب، كما نطالب بالعمل على الإفراج الفوري عن الموقوفين من الكادر الطبي لعدم قانونية الحبس، وعليه نطلب منك اللقاء شخصيا مع الكادر الطبي" هذه الرسالة سُربت عن طريق الأهالي ومن ثم إلى ندى ضيف التي أوصلتها إلى رئيس المحققين بلجنة بسيوني.  وكانت من التسريبات التي وصلت لـ(مرآة البحرين) ونشرتها كاملة حينها.

قبل زيارة لجنة بسيوني، أحضروا لنا فرشا جديدة وبطانيات ووسائد، وخصصوا لنا غرفة لمشاهدة التلفزيون. كان ذلك قبل الزيارة بيوم وهو 22 أغسطس/آب، وضعوا الكراسي الجديدة ومن فرط عجلتهم لم ينزعوا عنها النايلون الذي كان مغبراً. جلس السيد بسيوني على إحدى الكراسي فاتسخت بدلته. الفريق لاحظ ذلك، لكن القاضي رئيس فريق التحقيق كان يحسِّن الصورة لصالح وزارة الداخلية ويحاول جاهدا تغطية أخطائها وتبريرها، وبالمناسبة سمعنا لاحقا بتوظيفه قاضيا في وزارة العدل. من ضمن اللجنة كانت ابنة د. علي فخرو، وشخص أردني محترم، وأفضل الفريق هما العضوان اللذان استقالا من اللجنة.

بدأ لقاؤنا مع بسيوني من 9 صباحا وحتى 5 مساءً. دخلنا عليه في غرفة التلفزيون واحدا تلو الآخر. افتتح الدكتور باسم ضيف الكلمة بالترحيب والشكر والتقدير، ثم ارتفعت نبرة صوته وهو يقول: "هذا التقرير سوف يسجله التاريخ" وشدد" إننا في المؤتمرات الدولية سوف نفضح ونكشف ما تعرضنا له من انتهاكات وعذابات" وواصل غضبه الذي بدأه باللغة الإنجليزية: " هذا التقرير إما أن يشكرك عليه أهل البحرين في كشفك لما تعرضوا له من انتهاكات، أو أنه سوف يجلب لك العار أمام العالم إذا جانبت الحق فيه، وكل العالم ينتظر ما سوف يتمخض عنه تقريرك". بعد ذلك كل واحد من الكادر الطبي سرد قضيته ومظلوميته مع بعض السجناء الآخرين.

المغيبون عن الضوء..

في سجن الحوض الجاف هناك سجناء مغيبون عن الضوء. تركز التعاطف الدولي والحقوقي الواسع مع الكادر الطبي وأهمل آخرون. هذه حقيقة. المتهمون بقطع لسان المؤذن لا أحد تكلم عنهم، كذلك معتقلو المنامة لم يلتفت إليهم أحد حتى فريق لجنة بسيوني  جاء خصيصا فقط لمساعدة الكادر الطبي. بينما هؤلاء لم يروا أهاليهم لأكثر من شهرين أو ثلاثة حتى بعد قدوم بسيوني. شعر هؤلاء بالإحباط والتذمر. اشتكوا.

انتقل ذلك التذمر بين النزلاء وبعد لقائهم بالضابط محمد الأنصاري طلبوا انتدابي كممثل عنهم في كتابة قضاياهم وشكواهم وتقديمها إلى لجنة بسيوني التي ستزورهم في  24 أغسطس/آب. وافق الضابط. تشكل فريق مكون من عشرة أشخاص يطالب بإنصافهم أسوة بالكادر الطبي. انتدب شخصان من كل واحدة من الزنزانات التسع للالتقاء ببسيوني. أبو غايب مثــــّل زنزانته مع مجموعات معينة. همستُ في إذن السيد بسيوني أن ادعم هؤلاء  بأوامرك كي يحصلوا على فرصة من التحسينات، فما يصدر عنك ينفذ. وافق بسيوني على البقاء فترة أطول للاستماع إليهم. طلب أبو غايب من السيد بسيوني إبعاد الشرطي كي يأمنوا من تلصصه عليهم. زجره بسيوني: "اطلع" فامتثل للأمر مرغما. لكن القاضي المصري الجنسية، رئيس فريق التحقيق انزعج من موافقة بسيوني. نال أبو غايب فرصة سانحة كي يشرح قضيته قائلا: "أنا متهم باختطاف الباكستاني وقتله بينما كنت أحاول فض الأيدي عنه لحمايته من القتل" استطاع أبو غايب توصيل رسالة ساعدته فيما بعد بالبراءة والإفراج. 

بعد شكوى السجناء للسيد بسيوني من معاملة بعض أفراد الشرطة، تم توجيههم إلى ملاطفة السجناء. وهذه التحسينات استفاد منها جميع السجناء، لذلك كنا نجتمع في ليالي رمضان حول سحور جماعي من أطباق (المجبوس) التي يحضرها لنا الأهالي بعد الإفطار. 
 
ابني (علي) يحضر في العزاء..

 
كان الهدف من إقامة تعزية وفاة الإمام علي، هو إعادة اللحمة بين السجناء بعد الحواجز التي نشأت بفعل التمييز. أعددنا برنامج العزاء: اليوم الأول أقرأ أنا القصيد في البداية، والأستاذ محمد من السنابس يقرأ الموضوع،  والعكري يقرأ الأبيات القريبة من المصرع. 
في اليوم الثاني يقرأ التوبلاني الموضوع، والرادود أبو غايب الزيارة ثم اللطمية، متخذين ساحة منشرة الثياب مكاناً لحقلة العزاء.  
في اليوم الثالث شاركنا أحد سجناء قضية المنامة في القراءة، واستعنا في ذلك ببعض الكتب الدينية المسموحة مثل كتاب "الجمرات الودية لملا عطية".  

أثناء اللطم على الصدر تذكرت ابني الشهيد "علي"، شعرت بحزن فادح تجاهه، اشتقت له حد البكاء، لم أستوعب غيابه وخاطري لم يسكن بعد من فرط البلاء الذي حل بالوطن وبنا، حل عليّ طيفه وضج حضوره في وجداني حين جاءت هذه الشعيرة لتؤجج حزني عليه، ذكرتني بمشاركاته في العزاء في مأتم الدراز ومآتم المنامة، تذكرت طلباته بإصرار لمشاوير المنامة وكان وقتها لا يملك مواصلات. رحمة الله عليك يا بني، يا علي.  

قرار الإضراب النافذ.. 

في منتصف أغسطس/آب تناهى إلى سمعنا إضراب رولى الصفار. كيف برئيستي في جمعية التمريض البحرينية تأخذ قرارا أشجع من الرجال، تعلن الإضراب ونحن نتراجع فيه؟ 

هذه المرة قررنا إضراباً مدعوما ببيان. قررنا أنا والعكري وديواني إصدار بيان إضراب في خطوة تصعيدية بحيث نوصل صوتنا للأهالي والناس في الخارج. سألنا باقي الأطباء. كان هناك تحفظ. قررنا أصدار البيان بأسمائنا فقط. بعدها قرر الجميع المشاركة.

ملخص البيان الذي سرّب إلى مرآة البحرين ونشرته حينها: "بعد المحاولات الجادة والمساعي الحثيثة التي بذلها الموقعون على هذا البيان مع إدارة السجن والمسئولين بوزارة الداخلية لإيجاد حل لقضية الكادر الطبي، ونظرا لعدم استجابة النيابة العسكرية للمطالب العادلة في الإفراج مع ضمان محل الإقامة، وإسقاط التهم التي انتزعت منا تحت التعذيب، وإعادة التحقيق لهذه التهم فإننا نعلن الإضراب عن الطعام ابتداءً من أول أيام عيد الفطر المبارك احتجاجا على كافة الإجراءات التعسفية التي تمارسها النيابة العسكرية وإدارة التحقيقات الجنائية"(2).

 بدأ الإضراب في31 أغسطس/آب. الاكتفاء بالسوائل والماء. تشجع آخرون. بدأ المضربون يتساقطون ويؤخذون إلى عيادة السجن. التقى مفتش السجون اللواء إبراهيم حبيب الغيث بمجموعة منا: أنا والضيفين وعمران وأصغر والعريبي وديواني. انفعل ديواني وواجهه بالانتهاكات وبأكاذيب بن حويل في المحكمة.  

في هذا الوقت تحديداً، كان أحد المضربين قد رفض أخذ المصل المغذي، فأغلقت الشرطة أبواب الزنازين على السجناء ودخل الشغب العنبر هذا ونحن بعيدين عنهم لا ندري ماذا يجري عندهم. ثم لم نسمع إلا تراشق الصحون على الجدران والصراخ على الشغب لأنه اعتدى بالضرب على أحد السجناء في الممر، طارت الصحون تتراشق على الشرطة حين رأوا زميلهم السجين ينداس تحت أرجلهم. خرجنا وخرج معنا اللواء الغيث مذعورا ولاذ بالفرار من العنبر. تدخل فريق بسيوني في القضية، فعادت الأوضاع إلى سابق عهدها، فتحت الأبواب ثانية وتواصل الإضراب.

إفـــــراج وحفل زواج

أخذنا إلى المحكمة في 7 سبتمبر/أيلول. كنا ما زلنا مضربين عن الطعام. في هذه الجلسة لم يكن النائب العام متصلباً على عادته. امتدت الجلسة حتى المساء. دعينا في الاستراحة إلى مكتب النائب العام العسكري لتناول حلويات. كان التعامل معنا على غير العادة، لكني لم أشعر بشيء. قبل أن ترفع الجلسة تكرر الطلب المتعلق بإصابة ظهري وعرضي على الطبيب الشرعي. لم نكن متفائلين وغير صاغين لتلاوة قرارات المحكمة، من تلك القرارات فقد تقرر عرضي على الطبيب الشرعي ثم تلا الفقرة الأخيرة : "تقرر الإفراج عن جميع المتهمين بضمان محل الإقامة".

كانت المفاجأة التي لم نتوقعها أو لم أتوقعها أنا على الأقل. صخبت القاعة بفرحة عارمة. أخذنا ثانية إلى سجن الحوض الجاف لفحصنا فحصا طبيا، ولأخذ أغراضنا، في هذه الأثناء أنشد أبو غايب قصيدة من تأليفه في زفة جميلة داخل العنبر. والأجمل من ذلك بالنسبة لي أن في تلك الليلة حيث خرجنا في مغربية ذلك المساء وكان ينتظرني حفل زواج أختي الذي استأذنتني في إقامته سابقا، فجاءت الصدفة الرائعة ليكون مساء جميلا لاستقبال المهنئين بي وبزواج أختي.        

على هامش التجربة، مع السجانين..

الصورة الحقيقية للكادر الطبي ليست تلك التي تفبركها السلطة، بل ما يراها السجانون ويتعاملون معها، هم الآن لا يتعاملون مع المجرمين والسراق ومدمني المخدرات، بل كبار الاستشاريين والجراحين ونخبة من الكادر الطبي.

يقول الدمستاني: زار زنزانتا رقم 7 الملازم محمد السعيدي، وهو أول مسئول يزورنا ويتحدث معنا. قال: "أنا بسوي ليكم غسيل مخ". كان يشرب شايا ويدخن سيجارة، يرافقه شرطي يلبي أوامره. كانت خيوط الدخان تمر على أنوفنا نحن المدخنين، تدوخنا. طلبنا السماح لنا برشفة سيجار. قال رافعا أنفه: انسَ. 

تحدث عن المجريات. انتقد المعارضة لتضييعها فرصة الحوار. ثم انتقل لموضوع تجمع الوحدة الوطنية وكان له رأي نقدي حوله. رد عليه الدكتور صادق عبدالله : "هذا شأن سياسي لا يخص الكادر الطبي، نحن نتحمل المسئولية الإنسانية والمهنية تجاه الجرحى فقط، فحدثت فبركات وتلفقيات صارخة تجاه عملنا وذلك غير صحيح". 

كلما حاول السعيدي جرنا معه في الشأن السياسي، أعاده (عبدالله) بلطف إلى الزاوية التي تخصنا. استمر النقاش لمدة ساعة ونصف. فنّد (عبدالله) الكثير من الإدعاءات ضد الكادر الطبي. إلى أن عرج السعيدي على جماعة خلية الحجيرة وانتقد الحكومة التي أفرجت عنهم أيام الدوار. فرد عليه: "هذي غلطة الحكومة، ليش سمحت لهم يذهبون للدوار وبعدين تعاقبهم وتسجنهم؟ إذا كان في نيتها القبض عليهم لماذا تفرج عنهم في الأساس؟" هنا استغرب السعيدي وكأنه أصيب بصفعة وعي. 
 
في أثناء الجلسة طلب السعيدي كوبا آخر من الشاي فأخذ د. صادق عبدالله كوب الشاي الذي أفرغه السعيدي ورفعه للشرطي قائلا: "هاك خذ هذا وياك؟" فلم يشأ الشرطي الصارم بوجهه المتجهم ألا يفعل في حضور الملازم الذي لم يعترض. هذه الحركة كسرت الحاجز بيننا وبينه. خلقت فيما بعد علاقة جيدة معه حتى كثرت زياراته لنا في الزنزانة 7، وصار الحديث يطول معه حتى إن الآخرين كانوا يتساءلون عما يدور بيننا.

وصفة  باسم ضيف

من خلال تكرار زيارتي إلى مستشفى القلعة لأخذ العلاج الطبيعي، كان يأخذني شرطي يمني الجنسية، طيب الخلق وكان يُدهش حين ألتقي الطبيب وألقنه وصفة العلاج (التي آخذها عن باسم ضيف) وبأسماء الأدوية التي أحتاج وهو يستجيب لي بدون استهجان أو سؤال خصوصا وأن هذا اليمني يحب تعلم اللغة الانجليزية ويسعد حين أكلمه بها. هنا يتساءل هذا الشرطي :"أمعقول هذا المصاب المتعلم والطليق في الانجليزية والذي يملي على طبيب الوزارة الوصفة يكون مجرما حقا؟".

السماهيجي وحوارييه

 
في ذهابنا للمحكمة العسكرية وبالذات في المرة الثالثة، لاحظنا أن هناك ودا لطيفا في العلاقة بين السماهيجي وبين الحراس، رغم أنهم أقسى في التعامل من حراس السجن.  في استراحة المحكمة كان الحراس الآسيويون يلتفون حول السماهيجي صاغين مستمتعين. خيّل إلي أنه بشيبته الوقورة ولباسه البسيط وكأنه النبي عيسى مع حوارييه.

سألته فيما بعد: "ما سر انجذاب الحراس لك؟" رد مبتسما: "تدرج التحادث معهم شيئا فشيئا لأحكي لهم أنني كنت من ضمن خريجي طلبة الاتحاد السوفيتي لعام 1987 والتابعين لجبهة التحرير. وكنا منبوذين وقتها بسبب مواقفنا السياسية فتعثر توظيفنا في القطاع العام بسبب ممانعة وزارة الداخلية فعملت مع مقاول بحريني يبيع أخشابا، ويتعامل رب العمل مع شركات أخشاب في لاهور بباكستان، وكان يتكرر سفري إلى لاهور كمنتدب من قبل الشركة وتصادف أن هؤلاء الحراس الباكستانيين قادمون من نفس المنطقة التي أتردد عليها هناك، لذا أخذنا نتحدث عن الأمكنة التي نعرفها في لاهور.

وبعد أن سألوني لماذا أنت هنا؟ استغربوا أشد الاستغراب حين علموا أنني جراح عيون، وأن هؤلاء جميعهم أطباء، وأن تهمتنا الوحيدة أننا عالجنا جرحى مصابين". هم من جانبهم أيضا راحوا يشكون حالهم: "نحن نتقاضى 160 دينارا شهريا مقابل 12 ساعة يوميا ومأمورون في التعامل معكم بغلظة، وهذا إجحاف في حقنا فاشتكينا إلى قيادة السجن في باكستان عن قلة الراتب دون جدوى" كما اعترفوا: "إننا لم نأت هنا لإهانة الناس". لذا تعاطفوا معي بالشكل الذي رأيت.  

زرع الشعر .. زرع الاحترام

عبد الشهيد فضل كان يناقش أحد السجانين البسطاء، وهم في الغالب كذلك، فيبهره من تقدم العلم القادر على زرع شعر الرأس وتعديل الأنف وغيره، ويقول له: "أنا بإمكاني أن أجري لك عملية تجميلية بما تريد"، ولأنها أمور جديدة عليه فينجذب إليه بالإصغاء ثم بالاحترام.

دربته ثم قادني معصب العين 

النقيب حمد الخياط، مسئول الخدمات في السجن، عرفني بنفسه وعن والده محمد الخياط الذي كان يعمل في جمعية الهلال الأحمر البحريني بصفة الأمين العام المساعد للشئون الخارجية كما يشغل منصب رئيسي في الطب الشرعي بوزارة الداخلية. هذا النقيب دربته على الإسعافات الأولية إبان رئاستي للجنة الإسعافات الأولية للهلال الأحمر، كان حينها صغيرا في الثانوية، أتاني ملثماً أول أيام التحقيقات، حينها لم أميزه لكنه عرفني بنفسه فيما بعد. لم تنفعني هذه المعرفة لكن على الأقل لم يكن فظا في معاملته معي كالآخرين. 

وفاءً للطبيب 

باسم ضيف كان يعالج الرياضيين، ومصابي الملاعب، له مرضاه من العسكريين أيضاً، فكان هؤلاء يعرضون عليه خدماتهم من توفير ماء أو غيره، بيد أنه يتعفف، فقط يشكرهم ويقول: "سأطلب منكم إن احتجت شيئا"
 
مفارقة..

ومن أشد المفارقات، أن بعض هؤلاء الحراس، كانوا يرافقون السجناء في السابق إلى مستشفى السلمانية، وقد شاهدوا الأطباء في كامل شرف مهنتهم، وهم الآن يرونهم في كامل ذل وطنهم. فماذا يصدقون؟


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus