رولى الصفار: في قاعة المحكمة ضاع صوتي منّي ولم يعرف أحدنا الآخر «5-6»

2012-09-21 - 2:22 ص


مرآة البحرين (خاص)
البحرين - ابتسام صالح

"أنا الآن لستُ رولى الصفار، أنا سُهى بِشارة، سأخرج من هنا لا محالة كما خرجتْ سُهى بشارة".

بهذه الكلمات راحت رولى تُهدهِد نفسها، فيما هي تواجه مصيرها المجهول وسط زنزانةٍ مُظلمة مُخيفة، وفي توقيتٍ هو الأسوأ في تاريخ البحرين، لا أحدَ يعلم ما الذي ينتظره عند يد البطش، لا مكان لغير الانتقام الأسود من جرأة الورد على الكلام. راحت رولى تُردّد على نفسها هذه الكلمات، تَمنحُ نفسها (بشارة) تكفيها للصمود، وللخروج مُنتصرة.

تُكمل رولى الصفار روايتها لمرآة البحرين. تقول عن الطعام في داخل السجن: وللأكل الذي أتعبَ أمعاءنا حكايةٌ مريرة، تُطبخ الوجبات بأردأ أنواع الزيوت، بأردأ أنواع الرز، حين تُفتح القدور، أَضيقُ غثيانًا من رائحة الدجاج المطبوخ كيفما اتّفق، هكذا بدون مُطيّبات تطرد روائحه الكريهة التي تجعل حتّى الحيوان ينفر منه، هذا غير طبقة الزيت السميكة الطافحة على سطح مرقه، فحين أتناوله ترفضه معدتي فتلفظه مباشرة، كأنّ الطعام عقابٌ آخر. أمّا الشاي الأحمر فنفرت من طعمه غير العادي، به مادّةٌ مُضافة لا أدري ما هي، مما يجعل شُربه غير مُستساغ، فضلًا عن ضرره. لذا صرت أتجنبه وآكل من مقصف السجن رقائق البطاطس فقط أو اللبن الزبادي، وصار ذلك مسموحًا لنا بعد تأثير كاثرين أشتون أيضًا، وصار مسموحًا لنا الشراء مرّة في الأسبوع عن طريق كتابة قائمة بما نحتاج، وممنوعٌ الأكل من أهالينا.

وعلينا مسؤوليات يومية هناك، كنّا نرفع أثقالًا من قناني المياه، وقدور الأكل وغيرها، وأيضًا إعداد المائدة للجميع. كنتُ مع جليلة السلمان نوزّع الأكل في الصحون، وأقصد بالجميع هنا سجينات المخدرات والدعارة، ولا يحقُّ لنا الأكل أنا وجليلة بالذات إلا بعد ملء جميع الأطباق، هذا غير جمع القمامة وإخراجها، وتنظيف أرضية السجن كاملة، وتنظيف المطبخ والحمّامات، لذلك كنّا نُحاول أن نعيش أيّامنا بشكلٍ آخر، نُقاومها بطُرُقنا الخاصّة كي لا يأكلنا الغبن والظلم.

أسْبَحُ في عَرَقِي

ذاتَ يوم من أغسطس/آب انقطع التيّار الكهربائي في الدور الأرضي مدة 24 ساعة، سُمح للجميع باعتلاء الدور الأول للهروب من الحر، إلا أنا وجليلة السلمان. من شدّة الحرارة كانت الأرض الإسمنتية تَرْشَح بُخارًا كأنّه صادرٌ عن حريق. أتعبني لافح الحر فنمت، هل نمتُ أم أُغميَ عليّ لا أتذكّر. تقولُ جليلة إنّها كانت تهزّني وتقول: "رولى قومي لا تموتين" وأنا أسبحُ في عرقي ولم أستيقظ، هل كانت تلك نعمة كي أغيب عن الحر؟

كنّا نعيش مأساةً حقيقة لكنّا نُحاول بتفاهمنا وانسجامنا الحدَّ من بؤسها. عشنا خمسة شهور في هذا المكان الصغير نفتقد الخصوصية. ليس هناك مكانٌ نهرب إليه بعيدًا عن الأعين، إلا الحمّام، وحتى الحمّام يجب أن نخرج منه بسرعة، أي أنّ الاستحمام له وقتٌ، وكمّية الماء تُصرف بحساب وإلا انقطع عنّا، فالماء شحيحٌ بالنسبة للعدد الكبير لمستخدميه، وإذا انقطع الماء ننتظر من ست إلى سبع ساعات حتى يعود.

الصلاة..

أعودُ للصلاة، وقتُ الصلاة طقسٌ مُقدّس، ننتظره بشوق، تتحوّل الأرضية إلى بساطٍ جميل من السجادات الُمتراصّة. نشعرُ بحقيقة المِحنَة في لقائنا بربِّ العالمين، ويُخيِّمُ الخشوع والصمتُ التام، ولو وقعت إبرة لسمعتُها. وهُنا يُسمع البكاء وقت القنوت أو السجود. كلُّ واحدةٍ منّا تعتكف في مِحرابِها الخاص جدًّا بها، هذا اتّفاقٌ تلقائي جرى بيننا، لا نتدخّل فيه، لكلٍّ منّا الحرّية في مُمارسة طقسها، تُجهش بكاءً، أو تتوسل، أو تستعطف ربَّها، أو تسترحمه، أو تواسي نفسها بنفسها، والله يتولّانا جميعًا، إنّه نعم المولى، ونعم المُعين.

ذاتَ صلاةٍ سمعتُ زقزقة عصافير، نظرتُ للنافذة لا شيء هناك. تلفّتُ حولي لا عصفور تائه بيننا، ثم تبيّن لي أنها زقزقة بسملات وأدعية. إذن كانت تلك أصوات المُصلِّيات ومناجاتهن، لكنَّ مُخيّلتي تقول إنها عصافير الجنة. اعتدتُ على صلاة الليل التي تعلّمتُها من زهرة السمّاك، فكُنّا نؤدّيها ليليًّا سويّةً، أنا والسمّاك وضيف. صِمْتُ هناك رجب وشعبان ورمضان، وأعدتُ صيام الثلاثة الشهور الثلاثة هذا العام أيضًا.

في حصار السجن والسجّانين ليس لنا ملاذٌ إلا الله، فحين سمحوا لنا بالكُتُب الدينية بعد انتهاء فترة السلامة الوطنية، صرنا نعقد جلسات ذكر، نختم القرآن بشكلٍ شبه يومي، نتقاسم الأجزاء فيما بيننا، وأحيانًا نقرأ أدعية، وأحيانا أخرى نطلب الذهاب للطابق العلوي كي نجتمع مع الزميلات النزيلات هناك لقراءة أدعيةٍ لمُناسبةٍ دينيةٍ تمر. تتمُّ الموافقة على الطلب شرط أن نُنهي قراءتنا في ساعةٍ واحدة فقط. نجتمع في عنبرٍ مساحته تقريبا 4* 5 أمتار، وعددنا يصل من 30 إلى 40، نجلس مُتراصّات، مُتكدّسات، مُتدلّيات من الأسرّة، هُناك أربعة أسرّة من طابقين، لا نشعر بالضيق أو الحر، ونكون سعيداتٍ فرحاتٍ ببعضنا. يضيع بعض الوقت في تبادل السلام، لذا ونحن في عزِّ القراءة، وقبل أن نُكملها تدخل علينا شرطية مُجنّسة بالصراخ بصوتٍ عالٍ : " يلا خلاااااااص".

حديثُ الكساء

كُنّا نعشق قراءة حديث الكساء، ففيه من المؤازرة ما يُهدِّئ لواعجنا، فنحاول أن نجعل من ذلك طقسًا روحانيًا مُميّزًا. نتخيّل أنّ العنبر كلّه مغطىً بالكساء المُبارك، ونتخيّل كيف جمع الرسول (ص) أهل بيته تحت ذلك الكساء، فنشعر أن وجودنا تحته آمِن، بل أكثر أمانًا من الخارج، وأجملُ من يتلو هذا الدعاء هي رجاء كاظم، تؤدّيه بصوتٍ رخيم، ولحنٍ مُميّز ينشر السكينة في قلوبنا، ويُشعرنا طوال الأيام هناك أنّنا تحت حمايته.

سألتُها: ما تأثير حراك الشارع عليكنَّ هُناك؟ ابتسمتْ وقالتْ: ذاتَ مرة سمعتُ هُتافاتٍ من بعيد، قلتُ لهن : صه، اسمعن، إنها أصوات هُتافات ومُظاهرات، ولكن لم نُميّز مصدر المكان، أو من أي جهة قادمة تلك الأصوات، أسألهن هل تسمعن؟ يجبن: لا، لكنّ آيات القرمزي توافقني، نعم أنا أسمع.

قلتُ لهن : سيأتون لتحريرنا من السجن، وسوف نُحمل على الأكتاف باحتفاءٍ غير عادي. أنتُنَّ بطلات ولا تدرين بأنفسكن. نعم سنخرج من تحت الكساء إلى فضاء السماء، مزجتُ خيالًا بخيال وانطلقتُ بعفويةٍ وحماس أرفع المعنويات وأدجّجها بالأمل الأكيد كي لا نفقد الأمل بالخروج.

اللقاء الأول بالزملاء..

 
في 6 يونيو/حزيران أخذوني للمحكمة العسكرية، كنتُ بمعيّة شرطية، وطوال الطريق في السيارة وهي تصرخ عليّ : لا تتكلمي، لا تنظري من النافذة، أنزلي رأسك. لكنّ صُراخها لم يؤثّر في استمتاعي بالشمس والسماء والهواء والطريق والخضرة في الشارع، تكاد السعادة تطفر من عيني وتفضحني. يا الله كم هي جميلة حياة الحرّية، حُرمتُ منها أشهرًا، مرحى بالحَر، (حلو وبارد) على قلبي كما نقول، ما ألذَّ الحرارة، ما أجمل الشمس الحارقة.

حين وصلنا ونزلتُ من السيارة، رأيتُ مجموعة رجال معصوبي العيون، ومُكبَّلي الأيدي، ينزلون من سيّارة، يضربون ويُهانون. أتساءل مَن هؤلاء؟ تأمّلتُهم، صرخ قلبي فزِعًا : يا إلهي! إنهم زملائي، لقد كانوا الكادر الطبي. أوقفوهم صفًّا على جانب وهم مشبوكون ببعضٍ بسلاسل من الخصور، واقفين تحت شمسٍ مُفترسة، والشتائم والضرب متواصلٌ عليهم. أسمع بكاءهم وقلبي يتفطّر عليهم، مررتُ على ذلك الطابور المُهان، وكان في خاطري أن أقول لهم: "صمود، اصبروا وصابروا"، ولكنّ التهديد الذي ينتابني أيضًا لم يجعلني أستطيع أن أنبِس بكلمة. لم نكن نعلم مآلنا إلى أين. دخلتُ مبنى، رأيتُ جهة اليسار نبيل تمام (استشاري الأنف والأذن والحنجرة) جالسًا على كرسي، نبيل زميلٌ عزيز، أعرفه مُنذ سنين، ما أن رآني حتى انتحب بصوتٍ عالٍ، طفرت عبراته تُغرق وجهه، سلّمتُ عليه بحرارة، صافحتُه بيدي، تشابكت أيدينا بحرارة، لا تُريد الفكاك، والدموع نهرٌ يجري بيننا، ثم تركتُه ودخلتُ غرفةً صغيرة حيثُ كانت هناك النساء من الكادر الطبي (اللاتي أُفرج عنهن قَبْلًا)، وهنا تفاجأن بسَحنتي الجديدة وهُزال عافيتي، حيث فقدتُ من وزني 20 كجم، رُبّما النظّارة ساهمت في تغيير شكلي. آه، أطبق الحزن علينا وتكالبت الهموم في تلاطم المحنة.

لم يَعرِفني أحد..

جاء الأمر بالدخول إلى المحكمة. الأطبّاء أولًا، أدخلوهم من جهةٍ ثانية. رأيتُهم بسيماء البؤساء، بأثواب بيتٍ رثّة، (ببجامات) نومٍ مُتّسخة بعرقهم، بشعورٍ حليقة، ولحىً مُبعثرة، هزيلي القوام. أدخلوهم (ببهدلة) وإهانات شنيعة ليس لها مثيل. كانوا منكسي الرؤوس، ودموعهم تسيل على وجناتهم. عندما رآهم القاضي انزعج، واستهجن إحضارهم بهذه الحالة المُشينة، وقال: هذه آخر مرّة أراهم بهذا الشكل. وأنا كنتُ أول النساء الداخلات، فمررتُ بجانبهم فَرِحةً بهم لكنّهم لا ينظرون إلي، لم يتعرّفوا عليّ. مررتُ على إبراهيم الدمستاني لم يعرفني، (بكت رولى وهي تقول لم يعرفوني)، الوحيد الذي تعرّف عليّ هو نادر ديواني، دموعه الساخنة أعطتني الإشارة والتساؤل الصامت: عرفتُكِ رولى، أهذه أنت؟ أخذنا نبكي معًا بصمت، وكل دمعةٍ تنزل تحمل معها ألف سؤالٍ وسؤال، ماذا سيفعلون بنا بعد؟ أمّا الأطباء الآخرون فقد تعرّفوا عليّ حين نادوا عليّ بالاسم.

رأيتُ زوجي وأخي، أرى عيونهم تفيض دمعًا وهما ينظران إليَّ، فأستجيب لهما بعيونٍ سخيّةَ الدموع أيضًا، لكن هما يبكيان حالي، وأنا أبكيهما فرحًا (بشوفتهم) لأني افتقدتهما كثيرًا. أمّا المحامي حافظ حافظ فقد تفاجأ من شكلي، وأخذ يُشيح نظره الدامع عنّي حرصًا على مشاعري، خشية شعوري برثائه لي، بَيدَ أنَّ الحقوقي محمد الصميخ، عضو الأمانة العامة بجمعية البحرين لحقوق الإنسان، لم يستطع أن يُغالب دموعه.

عرضتْ محكمة السلامة الوطنية الاتهامات الجاهزة الجائرة وهي: حيازة سلاح بغير ترخيص، احتلال مركز السلمانية الطبي، الترويج لقلب وتغيير النظام والاستيلاء على المعدّات الطبّية، ثم قرّرت هيئة المحكمة تأجيل القضية بناءً على طلب المحامين للالتقاء بموكّليهم والحصول على نسخ من أوراق الدعوى.

ضاع صوتي

بعد المحكمة يلتقي السجناء بأهاليهم مدّة ربع ساعة. جلستُ بين زوجي وأخي ملتصقين، متشابكي الأيدي، أكلّمهما عن التحقيق وما حدث لي، لكنّهما لا يسمعانني، انحبس صوتي فلا يسعفني في البوح. زوجي يُحاول أن يسمعني: ارفعي صوتك رولى، لا أسمعك؟ أخي أيضًا لا يسمع. كنتُ متلهفّة لمعرفة ما يجري في الخارج، وفي نفس الوقت أحاول أن أقول لهما بإيجاز ما حدث لي، لكنَّ مُغالبة الغصّة وحشرجة العبرة تخنقان حنجرتي، فأعجز عن طمأنتهما أنّني بخير، فقلت بدون انتباه: صعقوني بالكهرباء، فصُعق أخي: "ويش؟" فأردُّ عليه بسرعة: "بس أنا أوكي أوكي" وفي حصار ضِيْقِ الوقت أُجاهد في الكلام بحيث أكون (على راحتي)، لكن مع كلِّ تلك المشاعر المُختلطة المُضطربة ضاع صوتي منّي. آثرتُ الصمت. لبثنا كلّنا صامتين.

في المحكمة الثانية

في اللقاء الثاني بالكادر الطبّي في المحكمة لم أحتمل السكوت، يكفي إهانة، مشهدهم المُزري المُتكرّر أغضبني، فصرختُ فيهم: "ارفعوا راسكم. انتون ما سويتون شي، احنا لازم نكون شايفين حالنا على الكل". الكل رفع رأسه واعتدل في وقفته، وقفة صمود.

حين نادوا على علي العكري، استشاري العظام، صرخ فيهم: "أمضيتُ بالإكراه". كان القاضي لا يُريد أن يسمع شيئًا عن التعذيب. يُريدُ سماع قول غير مُذنب فقط، لكن، وحين جاء دوري احتججتُ أيضًا: أنا غير مُذنبة، لقد عذبوني وانتزعوا منّي الاعترافات تحتَ التهديد والتعذيب، وبالمثل فعلتْ زهرة السمّاك فطردتَها المحكمة.

تقويمي الخاص..

كيف تعرفين التواريخ؟ سألتُ رولى. أجابت: حين توفّرت لي علبة محارم ورقية، بسطتُ الكرتونة ورسمتُ عليها تقويمي الخاص الذي بدأ من يوم الاثنين 4 أبريل/نيسان 2012، ثم رسمتُ المربّعات وملأتُها بالأيّام حتى وصلتُ لليوم الذي أنا فيه وأخذتُ أشطبُ اليوم الذي يمضي وهكذا.




التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus