مقابلة مع كريستوفر ديفيدسون: ما هو دور الغرب في الشّرق الأوسط؟

إيان سينكلير وكريستوفر ديفيدسون - موقع أوبن ديموكراسي - 2017-03-22 - 7:37 م

ترجمة مرآة البحرين

بدعم من جون بيلجر وإيان باب، يسلط د. كريستوفر ديفيدسون في كتابه الجديد "حروب الظل: الصّراع السّري حول الشّرق الأوسط" على النشاطات المُضادة للثورة، والتي غالبًا ما تكون سرية في الشّرق الأوسط، ويقدم في هذه المقابلة التي أجراها معه الكاتب إيان سينكلير عرضًا موجزًا عن تاريخ التّدخل الغربي في شؤون الشّرق الأوسط.  

إيان سينكلير:  ما كانت ماهية الأهداف الرئيسية للمملكة المتحدة والولايات المتحدة في منطقة الشّرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية؟

كريستوفر ديفيدسون: على الرّغم من أنّ تقدمها البطيء في الحرب العالمية الثّانية كان انتصارًا تقنيًا، إلا أن بقاء بريطانيا كإمبراطورية كان في تراجع. ومع إبحار الانتفاضات المتكررة وحركات التّحرر الوطني بعيدًا عن الممتلكات في الخارج، فإنّ المسؤولين والمخططين في الحكومة هم أساسًا خبراء في وضع استراتيجيات تهدف إلى وقف تحديات أهل البلاد أو عكسها. لكن مع تزايد طلب الصّناعات الثّقيلة للموارد الكثيفة، الأمر الذي يتطلب استيراد مواد أساسية بأسعار رخيصة ومستقرة من المستعمرات والمحميات الباقية تحت إمرتها، فإن مثل هذه الجهود المُضادة للثّورة أصبحت أكثر تركيزًا على ما يشكل الآن التّهديد الأكبر للجميع: القومية الاقتصادية.

بالتّأكيد، فإنّ الأعداء المتمردين الذين كانت بريطانيا تواجههم في وسط القرن العشرين لم يعد يتم قياسهم استنادًا إلى أيدلوجياتهم أو دينهم أو وحشيتهم، ولكن استنادًا إلى قدرتهم على تأميم الموارد والمصانع أو على الأقل، بناء دول قادرة على المطالبة بقدر أكبر من الأسهم في الإنتاج المحلي للثّروة.

ومنذ اتفاق سايكس-بيكو السّري مع فرنسا، الذي نحت بشكل فاعل أراضي الإمبراطورية العثمانية المتداعية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أضحت قبضة بريطانيا على الشّرق الأوسط أكثر، ومنافستها أقل، لكن بحلول الخمسينيات، انطلقت حركة عربية قوية تهدد بالإطاحة بالحكام التابعين لبريطانيا المتبقين في المنطقة، وتعرض للخطر اتفاقيات التّجارة المربحة، وتسيطر على الموارد القيّمة. وبعد أن [أصبحت] الكلاسيكية القومية "عاجزة" في منطقة الشّرق الأوسط، كما وصفها ذات مرة المراسل المخضرم باتريك سيل، فإنّ عددًا من ثورات "القوميين العرب" كانت في الواقع عمليات عسكرية، وقادها غالبًا ضباط في الجيش عازمون على إزالة التّأثيرات الخارجية من بلادهم بالقوة.

على الرّغم من بعض الانزعاج الصّامت إزاء موقف بريطانيا من القومية العربية، استيقظت الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات بسرعة للرّد على مطالب مصانعها المتعطشة للموارد الخاصة بها ووقائع مأزق حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي. سد الفراغات المتبقية في أعقاب الإمبراطوريات الأوروبية المنكمشة، لم يتم ملؤه من قبل بمثل هذه الحركات المعادية العازمة على تأميم الأصول -أو حتى على نحو مساوٍ بشكل خطير- حركات التّحرر التي من المرجح أن تؤيد الشّيوعية الدّولية المؤيدة من قبل السوفيات، وسرعان ما وجدت حكومة الولايات المتحدة ووكالاتها الاستخبارية نفسها في طليعة العمل المواجه للثّورة، حتى أنّها تجاوزت البريطانيين. وكما وصف كارل كورش الوضع، فقد استندت الولايات المتحدة إلى مبادئ الثّورة الفرنسية، لكنّها كانت في هذه المرحلة تفقد بسرعة "مرحلة الطفولة الرّأسمالية".

ومتقدمين في الفراغ الذي تركه الانسحاب البريطاني، ومتغلبين بسرعة على الدفاع الأساسي المتمثل بجمال عبد الناصر في مصر، في أواسط الخمسينيات، اعترف المخططون الأمريكيون بأن تأمين الشّرق الأوسط، وخاصة منطقة الخليج، كان سيشكل مسألة حيوية للازدهار المستقبلي للصناعات الغربية، وفي المقابل، سيبقي الاتحاد السوفياتي قيد  الحصار. وكما كان الأمر في بقية العالم، فإنّ استخراج الموارد الطّبيعية كان أولوية واضحة، ولذلك فإن كل المحاولات من قبل السكان الأصليين لتأميم الأصول الاقتصادية -بغض النّظر عن أيّ أجندات تقدمية أو ليبراالية أو حتى ديمقراطية-  كانت عرضة للتّخويف أو التدّمير من قبل الولايات المتحدة. في العام 1955، ووفقًا لمراسلات سرية بين مسؤولين بريطانيين، دعا الرئيس دوايت أيزنهاور إلى "مخطط ماكيافلي عالي المستوى لإنجاز وضع في الشّرق الأوسط يتلاءم مع مصالحنا، ويستطيع تقسيم العرب وإفشال أهداف أعدائنا".

بعد سنتين فقط، حصلت المنطقة على "مبدأ أيزنهاور" الخاص بها؛ وهو تطور لمبادئ ترومان ومورو اللّذين سعيا إلى تأمين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في وجه الشّيوعية الدّولية والتّعدي الخارجي على القارات الأمريكية. ومشيرًا إلى أنّ "الولايات المتحدة ترى أنّ الحفاظ على استقلال دول الشّرق الأوسط وسلامتها أمر حيوي من أجل مصلحتها القومية والسلام العالمي..." جعل أيزنهاور من الشّرق الأوسط منطقة خاصة خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، وكما هو الحال مع إعلان ترومان الأكثر عالمية، سعى أيزنهاور إلى الربط بين الحرب الباردة وكل المخاطر التي تهدد الوضع الراهن في الشّرق الأوسط، من خلال الزّعم أنّه كان "على استعداد لاستخدام القوات المُسَلحة لمساعدة [أيّ دولة شرق أوسطية] تطلب المساعدة، ضد الاعتداء المُسَلح من أي بلد تسيطر عليه الشّيوعية الدّولية". وأعلن أيضًا أنّه "يجب ملء الفراغ القائم في الشّرق الأوسط من قبل الولايات المتحدة قبل أن تقوم روسيا بذلك".

وكانت المعاملة الخاصة المفاجئة في الشّرق الأوسط في هذا الوقت، في الجزء الأكبر منها، تعود إلى ازدياد اعتماد الولايات المتحدة على واردات النّفط الخام في ذلك الوقت. وعلى الرّغم من أنّها كانت ما تزال مُصَدّرًا بارزاً في نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة، في العام 1950، تستورد مليون برميل يوميًا، وبحلول السّتينيات، تمت تلبية أكثر من ثلث الطّلب في مجال الطاقة في الولايات المتحدة بمثل هذه الواردات، وكان أغلبها من شاه إيران والممالك الخليجية. شركات النّفط الأمريكية كانت قد وصلت بالفعل إلى شبه الجزيرة العربية في العام 1933، وفي  نهاية المطاف، تمّ تأسيس شركة النّفط الأمريكية- العربية -أرامكو- في السّعودية، مع إعلان الرّئيس فرانكلين روزفلت في العام 1943 بأنّ "الدّفاع عن السّعودية حيوي للدّفاع عن الولايات المتحدة".

سينكلير:  على الرّغم من أنّ اغلب الرّوايات عن التّدخل الغربي في الشّرق الأوسط تُرَكز على تدخلات واسعة النّطاق مثل غزو واحتلال العراق في العام 2003،  وحروب ذات ظلال، لقد قررت الاطلاع على التّصرفات الخفية للغرب في المنطقة، ما هي بعض الاستراتيجيات والتّكتيكات المُشتركة التي استخدمها الغرب لتحقيق أهدافه في الشّرق الأوسط؟

ديفيدسون: منذ الخمسينيات، تم توظيف مجموعة من الاستراتيجيات والتّكتيكات المختلفة، المُحَددة في غالبيتها استنادًا إلى نطاق الخطر الملحوظ على المصالح الغربية وإلحاحه. "الموجة" الأولى من النّشاط، قادتها وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية التي تطورت بشكل سريع، وكانت في غالبيتها مُكونة من محاولات اغتيال وعمليات false flag، وجهود لزعزعة استقرار الحكومات غير المتعاونة من خلال تمويل الاحتجاجات في الشّوارع والعنف السّياسي الشّعبي. أفضل دراسات حالة متوفرة لدينا عن هذه الفترة تتضمن بالطّبع المحاولات المتعددة لقتل جمال عبد النّاصر، والجهود لإسقاط محمد مصدق في إيران، وهو الذي سعى إلى تأميم صناعة النّفط في بلاده بشكل جزئي، والخطوات المُتَخذة لتقويض الإدارات المختلفة في كل من سوريا والعراق والأردن.

ومع غيرها من التّهديدات، شبه العسكرية في غالبيتها، مثل التّحديات التي تواجهها السّيطرة البريطانية على اليمن وبعدها ثورة ظفار ضد السّلطان العماني المدعوم من قبل البريطانيين، احتاجت مثل هذه الاستراتيجيات لأن يتم استكمالها بـ "حروب ظل" استُخدِمت فيها القوات البريطانية بشكل سري لمساعدة قوات عملائهم المحليين أو "وكلائهم" وحلفائهم الإقليميين. في اليمن على سبيل المثال، كانت السّعودية تشن غارات جوية بمساعدة بريطانية مهمة وكانت تدعم "فعاليات قبلية غير نظامية" للقتال ضد النّظام القومي الجديد الذي أطاح بالإمام المدعوم من قبل بريطانيا، والذي كان يحكم بشكل مستبد الجزء الشّمالي من البلاد. في عمان، ومع مساعدة الاستخبارات البريطانية على نشر حرب بروباغندا ضد المتمردين، تم توظيف الـ SAS من دون علم البرلمان البريطاني، في حين وصلت قوات من دول أخرى موالية للبريطانيين، بمن في ذلك إيران والأردن لدعم جيش السّلطان المُحاصَر.

وفي الجزء الأخير من القرن العشرين، مع تزايد مطالبة الغرب بموارد الشّرق الأوسط، ومع بقاء الاتحاد السوفياتي غير مهزوم، بدأت استراتيجية أكثر قتامة بالتّشكل، سعى فيها المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون إلى إنماء حركة إسلامية عامة متطرفة قادرة على مواجهة حركات التّحرر الوطنية العلمانية التّقدمية أو التي يُحتَمَل انحيازها إلى السّوفيات، أو حتى ببساطة الحكومات القومية. وبتخمرها منذ السّتينيات، كانت الاستراتيجية في الثمانينيات تؤتي ثمارها حيث تم تسهيل "الجهاد"، بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والسّعودية، ووصل آلاف المقاتلين الأجانب إلى أفغانستان وساعدوا على تشكيل دولة إسلامية متشددة جنبًا إلى جنب مع الجنوب ذي الغالبية المسلمة في الاتحاد السّوفياتي. وبحلول نهاية العقد، ظهر تنظيم القاعدة في أعقاب الجهاد، ومنذ ذلك الحين، أثبت قادتها ومختلف المنظمات المُنشقة عنها أنّهم أكثر من قادرين على الحفاظ على ذات النّوع من الشبكات المالية التي وُضِعت أساسًا للحملة الأفغانية.

في التّسعينيات، ظلّت القوات الإسلامية المقاتلة المماثلة أصولًا استراتيجية ولكن متقلبة لوكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، مع مساعدة قدامى المحاربين على إنشاء "فيلق عسكري أجنبي" في البلقان لمساعدة القوات البوسنية والكوسوفية ضد صربيا، ومع كون "الجماعة الإسلامية اللّيبية المقاتلة" -التي كان زعماؤها يعيشون في بريطانيا- محمية وممولة من قبل إم آي 6،  (MI6  أي الاستخبارات البريطانية العسكرية، القسم 6) كجزء من مؤامرة للإطاحة بمعمر القذافي. وتم احتواء  ردة فعل القاعدة على الغرب في نهاية العقد، بما في ذلك تفجير السفارات الأمريكية في أفريقيا  والهجوم على سفينة يو إس إس كول على ساحل اليمن. وحتى الكارثة الهائلة التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول -والتي هدّدت لفترة وجيزة العلاقات المفيدة تاريخيًا للولايات المتحدة مع السّعودية وغيرها من الحلفاء المحافظين جدًا في المنطقة- تمت إعادة تجميعها بنجاح كسبب للحرب في جولة جديدة من التّدخلات العسكرية الأمريكية ضد الأنظمة الإشكالية الأخرى، وتمّ التّركيز بحذر على الدّلائل المباشرة بدلًا من الأسباب الجذرية لإرهاب القاعدة.

وفي الآونة الأخيرة، أدت الثّورات على الصّعيد الوطني في تونس ومصر إلى الإطاحة المُزعِجة بالمستبدين الذين أتاحوا اقتصاداتهم للاستثمار الغربي ولعبوا بشكل مُرضٍ لعبة "الحرب ضد الإرهاب" في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول. الإطاحة بهم كانت بالتّأكيد مفاجئة للقوى الغربية، لكن سرعان ما بدأت سلسلة من الثّورات المُضادة مع بدء الغرب مُجَددًا بدعوة حلفاء إقليميين أساسيين إلى أمرين: إما تمويل الأحزاب الإسلامية التي يمكن لها مواصلة دعم الهياكل الرّأسمالية ومنع تشكيل مجتماعات ديمقراطية وشاملة وعلمانية، أو رعاية الدكتاتوريات العسكرية "المتشددة" أو "الدّولة العميقة" في حال تبين أنّ الأحزاب الإسلامية غير قادرة على إبقاء الجماهير بعيدًا عن الشّوارع. وفي مارس/آذار 2011، أُطلِقت حملة موازية للمساعدة على إعادة توجيه "الرّبيع العربي" في الدّول مثل ليبيا وسوريا التي  ظلّت معادية للمصالح الغربية. ومن خلال  تعزيز الانتفاضات المتمركزة وتمويلها وتسليحها في محاولة لخلق ثورات جديدة على الصّعيد الوطني، لعب الحلفاء الأساسيون لبريطانيا والولايات المتحدة مثل السّعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة جميعًا أدوارًا رئيسية في زعزعة استقرار هذه الدول العربية المستهدفة منذ فترة طويلة تحت شعار الرّبيع العربي.

سينكلير: يتضمن كتابك عددًا من الأقسام عن الحرب السّورية المستمرة. يبدو أن تحليلات  وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث خاضعة بشكل متزايد للمحللين الذين يؤيدون التّدخل العسكري الأمريكي، أو يتعاطفون مع تأطير "الحكومات الغربية" للنّزاع. ما الذي تقوله عن الحجج المشتركة المطروحة بشأن الحرب؟

ديفيدسون: على الرّغم من جهود وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في القرن العشرين، إلا أن القوى الغربية ظلّت تسعى للتّدخل في شؤون سوريا، حتى أن بريطانيا كان لديها خطط متطورة إلى حد ما قبل العام 2011 لاستخدام جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية، و"رجال مسلحين"، لزعزعة استقرار نظام الأسد إذا أخفق في إثبات المزيد من التّعاون. وبالنّظر إلى ذلك، فإن عددًا من المحللين المُحَنكين، وليس فقط  المناهضين للإمبريالية أو الموالين لإيران والموالين للكرملين، فهموا على نحو صحيح الدّيناميات الكامنة وراء النّزاع السّوري في أعقاب العام 2011، ورأوا تقاربًا متوازيًا مع حرب أفغانستان في الثّمانينيات، وفهموه على أنّه حدث بسبب الّدعم الغربي السّري لفصائل المعارضة السّورية، جنبًا إلى جنب مع المزيد من الدّعم الأوسع نطاقًا الذي قدمه الحلفاء الإقليميون للغرب، بما في ذلك تقديم امتيازات للقاعدة ولغيرها من التّنظيمات المُصَنفة إرهابية.

مع ذلك، وكما هو الحال المؤيدين الغربيين الواضحين جدًا "لمقاتلي الحرية" الأفغان في الثّمانينيات، والذين كان معظمهم غافلين عن "عملية الإعصار" المستمرة على يد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والجهود الأخرى الرامية إلى إنشاء دولة إسلامية مركزية متشددة في آسيا الوسطى  بشكل متعمد، فإن نسبة كبيرة من التّحليلات الغربية اليوم تدعو إلى تدخل غربي أوسع نطاقًا في سوريا، سواء على أساس إنساني انتقائي، أو لأن حلفاء الغرب مثل السّعودية وقطر كانوا يضغطون بقوة من أجل بذل جهود أكثر شمولًا لإزاحة إدارة دمشق عن السّلطة مرة واحدة وللأبد، حتى لو كان من المُرَجح أن ينطوي ذلك على تفكك الدّولة القومية السّورية، وظهور نظام ديني محافظ رجعي آخر في المنطقة. في الواقع، غالبية معاهد الأبحاث والسّياسة في الولايات المتحدة وبريطانيا، والتي تركز على سوريا، تتلقى  تبرعات كبيرة من هذه الحكومات المتحالفة، أو لديها على الأقل مصالح متداخلة، بشكل وثيق، وعلى نحو لا يُصَدّق مع النّخب السّياسية في الممالك الخليجية.

سينكلير: ما هو دور وسائل الإعلام الغربية "السّائدة" في حروب الظّل المستمرة من قبل الغرب في الشّرق الأوسط؟

ديفيدسون: بشكل عام، يبدو أنّ وسائل الإعلام الغربية "السّائدة" تعاني من أزمة ما، وقد يكون أفضل مثال على ذلك تغطيتها من جانب واحد للاستفتاء البريطاني بشأن خروج المملكة المتحدة من  الاتحاد الأوروبي، والحملة الرّئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، التي لم تقم بشيء يُذكَر للمساهمة في المناظرة الإعلامية، وساعدت، بقدر ما أراه، على تقسيم المجتمع الغربي. بالنسبة لتغطيتها للأحداث الدّولية هي بالتّأكيد في ورطة أيضًا، فعلى الرّغم من وجود بعض المراسلين الأجانب المتميزين، فإن  الاقتطاعات الشّديدة خفضت بشكل كبير عدد المراسلين القادرين على تقديم تقارير عالية الجودة  من مكان الحدث. أعتقد أنّ هذا يتجلى بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالكتابة عن الشّرق الأوسط، حيث يوجد الآن فقط عدد قليل من الصّحافيين المتبقين لتغطية عدد من الصّراعات الموازية في آن واحد. من المفهوم أنّهم لن يتمكنوا من زيارة مناطق الحرب التي تحتلها  مجموعات معروفة بالاختطاف من أجل الحصول على فدية، ومعنى هذا اضطرار أغلبهم للاعتماد على وسطاء يصعب تدريبهم وعلى جيش متزايد من "وكلاء المعلومات" المُنَظمين.

بقدرتها على التّعامل مع هذا الوضع بسهولة، فإنّ عددًا من وسائل الإعلام المُخَصصة وعمليات "البروباغندا الفظيعة" الممولة بشكل مباشر من قبل الحكومات الغربية أو الحلفاء الإقليميين للغرب، والمنظمة من قبل شركات رائدة في العلاقات العامة، استطاعت خلق مصادر في الميدان قابلة للتّصديق  في دول مثل سوريا والعراق وليبيا، بحيث اضطرت وسائل الإعلام الغربية إلى حد كبير للاعتماد عليها.

ويمكن تحديدها عادة من خلال الشّعارات الجذابة، ومقاطع الفيديو العالية الجودة، ومواقع الإنترنت البارعة، والتّغريدات بلغتين على تويتر، وهي في الغالب  منظمات إنسانية  أو منظمات دفاع مدني أو "صحافة مواطنة" غير حكومية، لكنّها  تنتج باستمرار روايات مسيسة إلى حد كبير، وغالبًا عاطفية بحيث تسعى دائمًا إلى تقويض خصوم القوى الغربية وحلفائها الإقليميين.  بالنّسبة لأولئك الذين يتذكرون "شهادة نيرة" عن "الأطفال الرّضع في الحاضنات" في التّحضير لعملية عاصفة الصّحراء، أو ربما قصة الجنود السوفييت الذين أحرقوا أطفالًا رضع أحياء في أفغانستان، يبدو أن هناك شعور غريب بالتشابه.

إيان سينكلير: بالإضافة إلى كتابك، هل توصي بكُتّاب آخرين وكتب لشخص يحاول فهم الدّور الحقيقي للغرب في الشّرق الأوسط؟

ديفيدسون: أوصي بـ "روبرت درايفوس، لعبة الشّيطان"، و"ويليام بلوم، قتل الأمل"، و"مار كورتيس، الشّؤون السّرية وشبكة الخداع"، و"ستيفن دوريل، القسم السادس في الاستخبارات البريطانية: خمسون عامًا من العمليات الخاصة".

*إيان سينكلير مؤلف كتاب "التّظاهرة التي صدمت بلير: تاريخ شفهي لـ 15 فبراير 2003"، ونشرته دار Peace News Press، حسابه على تويتر @IanJSinclair

*د. كريستوفر ديفيدسون هو محاضر في سياسات الشّرق الأوسط في جامعة دورهام، وقد نشر في العام 2012 كتاب "ما بعد الشّيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية"، وقد صدرت الطبعة العربية منه في العام 2014 عن مركز أوال للدّراسات والتّوثيق.

النّص الأصلي    


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus