في العدّ التنازلي لخروج العكري.. فريدة الدلاّل: شيئان ليسا للنسيان.. التشهير بزوجي وتجريح أطفالي

2017-03-07 - 6:36 م

مرآة البحرين (خاص):  يوم الجمعة 10 مارس 2017، يُنهي أبقراط البحريني محكومية وفائه لقسمه الطبي: "فإذا ما وفيت بهذا القسم ولم أحِدْ عنه، يحق لي حينئذ أن أهنأ بالحياة وبالفن الذي شُرّفت بالاشتهار به بين جميع الناس في جميع الأوقات"..

خمس سنوات انقضت بكاملها، ظنّ كثيرون، بينهم عائلة استشاري العظام الدكتور علي العكري، أن انفراجاً سيسبقها ليقصّر سنواتها العجاف، لكن ذلك لم يحدث ولم تكُ نيّة في الأفق، بل إنه بحسب زوجة العكري طبيبة العائلة فريدة الدلاّل: "لو استطاعوا إضافة سنوات أخرى إلى حكمهِ لفعلوا".

إنه آخر من بقى قيد الزنزانة بين سجناء الكادر الطبي الذين اعتقلوا في مارس 2011 إثر إعلان حالة الطوارئ، دفعوا ثمن وفائهم لقسمهم الطبي خلال أحداث فبراير 2011 "أن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق"، شُهّر بهم إعلامياً، وحوكموا سياسياً في محاكم عسكرية ثمّ مدنية، أُفرج عنهم بعد ضغوطات حقوقية ودولية في 8 سبتمبر من العام نفسه مع استمرار محاكمتهم.

أُعيد اعتقال العكري في الأول من أكتوبر 2012 بعد تأييد الحكم عليه بالسجن 5 سنوات انتقاماً من انتقاده السلطة استخدام القوة بحق المتظاهرين وممارسة حقّه في التعبير. أُريد للعكري دوناً عن باقي زملائه، أن أن يقضي داخل السجن المدّة الأطول والعقوبة الأغلظ. ربما كان الأوجع للسلطة.

يصادف هذا التاريخ أيضاً  10 مارس، أسوأ حدث عايشه المعتقلون السياسيون في سجن جو، كان العكري بينهم، تصفه زوجته بعد أول لقاء لها معه بعد  تلك الأحداث بأنه: "فقد الكثير من وزنه وصار لونه أسمر ورأسه حليقاً، تجاوزته عند الزيارة ولم ألتفت أنه هو".

(مرآة البحرين) التقت فريدة الدلاّل التي تعدّ الساعات الأخيرة لاستقبال زوجها بفخر وشوق. تحدثت معها عن تجربتها وعائلتها مع هذا الغياب الطويل، كيف عاشت هذه السنوات وكيف مرّت عليها، وكيف تستعد الآن لاستقبال بطلها بعد كل هذا الغياب..   

تروي فريدة: منذ اعتقاله وأنا أعدّ الأيام والدقائق لخروج علي، أعدّها تنازلياً. تعوّد الجميع أن يسألني: كم بقى ليخرج علي؟ فأجيبهم بدقّة التقويم. كذلك والد علي يشاركني دقّة حساب السنوات التي مرّت والتي بقت والشهور والأيام.

عندما أعيد اعتقال علي في أكتوبر 2012، كنت في الشهر الرابع من حملي بطفلنا الأخير حسين، ضاعف ذلك من أثر الاعتقال عليّ، لم نكن قد خططنا لطفلنا الأخير، لكنه أصبح بمثابة هدية أعطاها لي الله،  لم أكن أعرف كيف كنت سأقضي السنوات الخمس لولا أن ملأها طفلي حسين. كانت كل من ابنتيّ نجلاء وسارة في المراحل الأخيرة من المدرسة، وابني حسن عمره 11 سنة، وليس هناك ما يشغلني، قدوم حسين وانشغالي بتربيته خفف كثيراً من معاناتي، ارتبطت به كثيراً. عشت أشهر الحمل الأخيرة لوحدي،  وتعرضت لارتفاع ضغط الدم، واضطرت أمي للانتقال للعيش معي عندما اقترب موعد ولادتي.

 

القبض عند أول الفجر

تكمل فريدة: عندما ثبتت محكمة التمييز الحكم على (علي) بالسجن 5 سنوات، تم القبض عليه مباشرة فجر اليوم التالي، لم نتوقع أن يُنفذ الحكم بهذه السرعة، جاءت خمس سيارات شرطة وكوستر، تم البدء بالقبض على عليّ ثم غسان ضيف وإبراهيم الدمستاني.

في تلك الليلة كانت ابنتي نجلاء مستيقظة تدرس للامتحان، كانت في السنة الأخيرة من المدرسة. سمعت نجلاء صوت جرس الباب وتفاجأت بالشرطة. جاءت مسرعة إلى غرفتنا أيقظتنا وأخبرتنا.  أسرع عليّ بتغيير ملابسه، ودخل غرف كل من سارة وحسن، كانا نائمين، قبّل جباههم دون أن يوقظهم، ثم ودّع نجلاء وخرج.

صباح ذلك اليوم لم أستطع الذهاب إلى العمل، ولم يذهب أطفالي إلى المدرسة، تفاجأ كل من حسن وسارة بالخبر. اعتقال والدهم شكّل لهم صدمة كبيرة، لم يتوقع الأطفال أن يُعتقل مرة ثانية، كان قد مرّ عام كامل بين إطلاق سراحه واعتقاله. خلال هذا العام شعر أولادي بالاستقرار. عادت حياتنا شبه طبيعية، وعاد هو لعيادته ومزاولة عمله.

كان لدينا أمل أن يكون هناك انفراج سياسي خلال هذه السنوات، وأن علي لن يكمل السنوات الخمس داخل السجن. لكن بالنسبة لي كنت وضعت أسوأ الاحتمالات، لا أحب أن أعيش صدمات وإحباطات لاحقة، جميع من حولي كانوا يتوقعون خروجه قبل الآن.   

بالرغم من الحملات الكثيرة التي أطلقت لأجل إطلاق سراحه، والمنظمات التي كانت تناشد بإطلاق سراحه -بعض المنظمات لم تكن تعمل في العلن- إلا أن كل ذلك لم يؤثر، وأكمل علي 5 سنوات كاملة. كان القرار أن الدكتورعلي العكري يجب أن يقضي كل هذه السنوات، ولو استطاعوا إضافة سنوات أخرى لفعلوا.

تعايشنا مع الواقع، أدرك أبنائي ما حصل لوالدهم، فكان التحدّي أن ينكبّوا على دراستهم. أصعب ما آلمني هو افتقاد أولادي لوالدهم في هذه المراحل المهمّة من حياتهم. كانوا يستحضرون والدهم في أكثر المواقف الحميمية. في السفر مثلا عادة ما يكرّس علي كل وقته لأولاده يعوّضهم عن كثرة انشغاله في العمل والعيادة. كان علي مرحا جداً مع أبنائه، هو صديقهم الأقرب، لم تكن هناك حواجز بينه وبينهم، لا أتذكر يوما أنه غضب على أحد من أطفالنا، كان يغدق حنانه عليهم لهذا افتقدوه طيلة هذه السنوات الخمس. كثيرا ما يجتمع أطفالنا ويكون حديثهم تذكر المواقف الجميلة التي جمعتهم مع والدهم.

 

الفخر لا الخجل

ابنائي يعلمون بأن ما حدث لوالدهم يبعث على الفخر لا الخجل، لا أحتاج أن أوضح لهم أي شيء، هم يختلطون بالناس ويعرفون ما يدور.

ابنتي الكبرى نجلاء تخرجت من المدرسة في العام 2013، وقررت دراسة الحقوق في بريطانيا، كان الجميع يتوقع منها أن تدرس الطب مثل والدها ووالدتها، لكنها اختارت الحقوق، ربما ما حدث لوالدها جعلها تختار هذا التخصص.

نجلاء كانت قوية رغم كل الظروف التي مرت بنا وبقت كذلك، أصرت على النجاح والتفوق، أكملت دراستها الجامعية وهي الآن تكمل الدراسات العليا. تحاول نجلاء أن لا تظهر أي تأثر من جانبها أو ألم، لكن بعض الأوقات تفشل في إخفاء مشاعرها، تنفجر بالبكاء، في ليالي القدر أشاهدها كيف تدعو وهي تبكي بحرقة طلبا للفرج إلى والدها.

في إحدى ليالي القدر جمعت نجلاء أخوتها وأقاموا صلاة القدر وبعدها جلسوا يدعون بالفرج إلى أبيهم، كانوا يبكون أثناء ذلك، كنت أراقبهم من بعيد وأتألم كثيراً.

طالما كررت نجلاء بانكسار: "تخرجت من المدرسة ولم يكن والدي بجانبي، وتخرجت من الجامعة وكذلك لم يكن معي"، هذان الموقفان لهما أثر كبير في مشاعر نجلاء رغم قوة شخصيتها. في تخرجها من المدرسة اهتم الجميع بالحضور ليخففوا عليها غياب والدها، حضر جدها، عماتها، أعمامها، خالها، كان الجميع حولها بها لكنها بقت في حسرة غياب الأب.

هي الآن تنتظر بفارغ الصبر خروج والدها، أرادت أن تكون حاضرة وقت خروجه من السجن، وقد قررت المجيء وترك دراستها في بريطانيا، لكن والدها نصحها بأن ترجئ عودتها إلى شهر أبريل كي يكون متفرغا لها ولاختها سارة التي التحقت هي الأخرى بالدراسة في بريطانيا.

تخرجت ابنتي سارة (18 سنة) من المدرسة في العام الماضي. شخصيتها تختلف عن أختها، فهي دائما تعبر عما يعتريها، لا تضمر شيئا في نفسها، ربما تبكي بعض الأحيان لكن قوتها تكمن في أنها تستطيع أن تعبر عما في داخلها ومن بعدها تواصل حياتها.

في حفل تخرجها من المدرسة كان الجميع يحيط بها تماماً مثل أختها. كثيرا ما تتحدّث سارة عن والدها، تبكي أحياناً، تخبرني أنها تشتاق لوالدها.

سارة الآن في مرحلة التمهيد لدراسة علم النفس في بريطانيا، فهي تحب الاستماع للناس، تحب المساهمة في حل المشاكل، كثيرا ما تبادر بالحديث معي عما يتعبني: "هل تريدين أن تتحدثي معي بشيء؟" تسألني، وكأنها هي الأكبر، هي الأم، دائما تكرر: "أستطيع الاستماع إليك في كل ما تعانين منه".

ابني حسن (14 عاما) هادئ جدا، حنون جدا، يحرص دائما على تقبيل رأسي عندما يسلّم علي. ما يحزّ في نفسي أن حسن أصبح في سن المراهقة ويحتاج لوالده بجانبه، كثيرا ما يحتاج الحديث مع والده عن بعض الأنشطة التي يقوم بها في المدرسة والشهادات التي يحصل عليها،  لكن عليه أن ينتظر موعد الزيارة أو المكالمة ليخبره.

 

السلامة الوطنية: ما لا يُنسى..

الشيء الذي لا أستطيع نسيانه هو ما تعرض له أبنائي فترة السلامة الوطنية، لا أعلم كيف تحملوا ذلك. أذكر أنه في إحدى الليالي كانت نجلاء تدرس لامتحان ما، بعد انتهائها في وقت متأخر من الليل، دخلت على حسابها في الفيس بوك، لتتفاجأ برسالة من إحدى صديقاتها تخبرها أن مجموعة من زملائها في المدرسة (أولاد وبنات) قرروا ضربها بعد الخروج من المدرسة. في الحال جاءت نجلاء غرفتي وأخبرتني بالرسالة، تجمدتُ في مكاني لا أعرف كيف أُعالج الموضوع، فقررت أن أُبقي أبنائي كلهم في البيت في ذلك اليوم، كان إحساسي يقول إنهم إذا كانوا قد خطّطوا لضرب نجلاء فمن المؤكد سيفعلون الأمر ذاته مع سارة وحسن، وهؤلاء الطلبة يعرفون أنهم لن يعاقبوا ولن يوجه لهم أي تحذير، فقد كنا نعيش فوضى مكارثية ووحشية انتفى فيها كل حسّ إنساني.

في ذلك اليوم أبقيت أبنائي في البيت وتواصلت مع مدير المدرسة الذي أخبرني أنه يعلم بالأمر، وهو ما أثار تعجبي: كيف تعلم ولا تحمي أطفالي، ولماذا لم تخبرني بالأمر كي أحترز؟!!

لقد عانى أبنائي كثيراً من مدرستهم في تلك الفترة، الكثير من الكلام البذيء والتخطيط لضربهم. كان يتم التهجّم على ابنتي سارة بالكلام الجارح، كذلك حسن، كنت أحدّث نفسي دائما :"كيف تحمل أبنائي كل هذا الضغط النفسي الذي يعيشونه في المدرسة".

أيضاً من المواقف التي لا أستطيع نسيانها، حلقة الراصد الخاصة بالدكتور علي العكري، وكيف كالوا التهم عليه وتهجموا، كانت ابنتي نجلاء تشاهد البرنامج وتسمع كل ما يعرض ويقال، طلبت منها المغادرة وعدم الاستماع، لا أعرف كيف تحملت كل هذا، وتم التشهير به ووجهوا له تهماً في الإعلام نفتها المحكمة فيما بعد وتقرير بسيوني، كانت التهم هي: الامتناع عن معالجة المرضى من طائفة معينة، توسعة جروح مصابين، سرقة أدوية، سرقة معدات، حيازة أسلحة، احتلال السلمانية. في الاستئناف اُسقطت كل هذه التهم وبقيت تهم التجمهر وما سمي بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة.

الإعلام الرسمي الذي شهّر بالدكتور علي قبل أن تبدأ محاكمته، وقبل أن تثبت التهم السالفة عليه، عاد لتكرار التهم نفسها، بعد أن صدر الحكم بحق علي 5 سنوات، وبعد أن أسقطت عنه. لم يذكر الإعلام الرسمي خبر إسقاط تلك التهم الكبرى، بل تعمّد إعادة تكرارها. أما الوزيران اللذان نسبا الجرائم المفجعة لعلي في المؤتمر الصحفي الأسوأ المحفور في ذاكرة البحرينيين، فإنهما لم يخرجا بعدها ليصححا أي من كذب ادعاءاتهما (انظر الهامش).

 

الزيارات: العذاب ليس واحداً

يشعرنا علي في أثناء الزيارة أنه يعيش معنا، يسألني عن أدق التفاصيل؛ عن كهرباء البيت، الماء في البيت، كل الأمور المتعلقة بمنزلنا، وحتى السيارة يسأل عن الفحص والتسجيل. في السابق كنا نتقاسم متابعة أمور البيت بيننا وبعد اعتقاله صرت أدير كل الأمور، أصبحت أركز أكثر في الأمور التي تحتاج إلى متابعة أو صيانة، الأهم أني حافظت على عيادته، ظللت أدفع الإيجار الشهري، حتى تكون جاهزة له عندما يخرج من السجن، وضعت قائمة شهرية بالأمور التي يجب أن أنجزها كل شهر، خاصة أن عملي يتطلب العمل مساء من مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع. كنت أحرص أن لا أخبر عليّ بأي تصليحات يحتاجها منزلنا رغم أنه يسأل دوما، لكن لم أشأ أن أشغل باله بهذه الأمور.

في الزيارة وصاياه دائما على أبنائه، عن حاجاتهم، يحرص على تذكير أبنائه في كل مرة بالالتزام بالصلاة وعدم التهاون فيها. دائما أحمد الله بأن أموري وأمور أولادي بخير، نحن لا نقارن بما حدث لبقية الناس، من فقدوا آباءهم ومن فقدوا أولادهم، ومن أسقطت جنسيتهم، كل هؤلاء حالتهم صعبة.

يوم الزيارة مهلك جداً. أحرص على اختيار توقيت الساعة الثالثة مساء، فإخراج أبنائي من المدرسة مهمة شاقة، وخروجي أنا من الدوام كذلك، لذلك صرت أختار الساعة الثالثة بعد انتهاء دوامي، أرتب أن لا يكون لدي دوام بالمساء. أحضر أبنائي من المدرسة، ويحضر طفلي الصغير حسين مع جده وجدته، الرحلة إلى جو صعبة وشاقة جدا علي وعلى أبنائي، وعلى الجميع.

الزيارة مشوار وعذاب فضلاً عن التفتيش، طريق العودة أيضا يكون متعبا، المسافة طويلة، أصبحت الزيارة جزء من روتين الحياة بالنسبة لنا. خلال السنوات الخمس تعودنا على الزيارة كل أسبوعين، بعض الأوقات لا يستطيع أطفالي الذهاب للزيارة بسبب انشغالهم بالدراسة لكنهم يحرصون على معرفة أخبار والدهم بعد الزيارة، بالنسبة للبنات أصبحت زيارتهم لوالدهم بحسب إجازتهم كونهم يدرسون في الخارج، لذا صار والدهم يخصص لهم 15 دقيقة للمكالمات الأسبوعية كل سبت يوم إجازتهم، ويخصص الـ15 دقيقة الأخرى لوالده ووالدته ولي مع أولادي.

في الصيف يكون الأمر أكثر صعوبة وإرهاقاً، إضافة إلى التفتيش الدقيق الذي نمر به قبل الدخول للزيارة، الأجواء التي تصاحب الزيارة تبعث على السأم والكآبة، لكن كل ذلك التعب يزول بمجرد رؤيتنا لعلي، عندما نراه بمعنويات عالية، نفرح جداً.  

كان آخر لقاء لنا مع علي في يناير الماضي، كان من المفروض أن نحصل على زيارتين في فبراير الماضي، يجري الأمر أن أحجز موعد الزيارة منذ بداية شهر يناير حتى أستطيع الحصول عليها في فبراير، عندما ذهبت ذلك اليوم كان النظام الإلكتروني معطل، لم أستطع الانتظار طويلا، ولا الذهاب مرة أخرى بسبب طول المسافة، تعودت أن أحجز لموعد الزيارة التالية في وقت الزيارة، انتظرت للزيارة التي تلتها لكن لم أحصل عليها، إذ كانت كل الأوقات محجوزة، الآن لا توجد زيارة له، ننتظر خروجه فقط.

في الزيارة الأخيرة كان كل شيء مرهق، كلّ الإجراءات متعبة، التفتيش صار خارج المبنى، طالت مدة التفتيش وصار دقيقاً جداً ومختلفاً عن المرات السابقة، بعدها يركبوننا حافلة، علينا أن ننتظر الحافلة التي تنقلنا في مجموعات، علينا أن ننتظر الأهالي الذين لديهم زيارة في الموعد نفسه، بقينا واقفين وقت غير قصير حتى يتم نقلنا إلى المبنى، والدة علي امرأة كبيرة تعبت وهي تركب الحافلة. تحدثت معي نفسي: " يا الله.. لا أريد العودة إلى هذا المكان"، ساعد الله البقية من أهالي المعتقلين، كان متعب جدا جدا.

 

حسين: بيته فارغاً من أبيه

طفلي حسين صار يبلغ من العمر الآن 4 سنوات، كان حملي به صعب بعد توقف دام 11 عاما، كان صعب مع ضغوطات البيت والتزاماته، كنت مضطرة أن أقوم بالعمل، في نهاية الحمل تعرضت للضغط، قبل يومين من ولادتي أخبرت علي عبر الهاتف أن المستشفى قرر أن يجري لي عملية قيصرية بعد يومين، كان قرار إجراء العملية رحمة من الله، فلن أنتظر أعراض الولادة التي لا أعلم متى تأتي، ولا أعلم في أي وقت ومن يستطيع مرافقتي، كل هذا اختصر في إجراء العملية.

كان الجميع يتحاوطني في ترقّب الولادة: والدة زوجي، أخواته، أمي وأخي وأختي. الجميع يترقّب إبلاغي لهم  ببدء أعراض الولادة، لكن الله اختار لي الولادة القيصرية كي لا أُحرج في طلب المساعدة التي لا أعلم متى كنت سأحتاجها.

تفاجأ علي بالولادة القيصرية، تأثّر كثيرا، لأول مرة أتعرض لها. المشكلة أنني اضطررت لانتظار مكالمته كي أخبره. لديه ربع ساعة فقط  للاتصال بالجميع، بي ووالده ووالدته.

طلب علي من إدارة السجن أن يسمحوا له بالخروج  ولو ليوم واحد ليرافقني لإجراء العملية، لم يسمحوا له، فقط سمحوا له بدقائق أكثر للاتصال بي. بعد أسبوع من ولادتي حملت مولودي وذهبت للزيارة. فرح علي كثيراً عندما رآه، طالما تمنى أن نرزق بطفل ثان يكون أخاً لحسن.

أتذكر في الزيارة تفاجأت الشرطيات هناك بحملي لطفلي حسين ربما لم يكنّ يعلمنّ بحملي، منذ اللحظة الأولى التي رآنا فيها علي حمل طفله الصغير وقبله، وظل في حجره طوال الوقت، الآن صار يكنى بأبى الحسنين وهذه التسمية أفرحته كثيراً.  

حرصت على أخذ حسين في جميع الزيارات، كبر وفهم أن هذا والده لكنه لا يعيش معنا، ذات مرة سألني سؤال آلمني: "لماذا بابا لا يعيش معي في البيت؟" لم أستطع الإجابة، في البداية لم يكن يدرك معنى كلمة بابا، كان يعتقد بأن كل رجل بابا. الآن صرت أُهيئه لعودة والده، أعلمه أين سينام والده وأنه سيكون معنا، فهو لم يتعود على وجوده في البيت. الآن عندما يتكلم مع والده صار يخبره بكل ما أضفناه للبيت استعدادا لعودته، صار لديه استعداد بأن يعود والده ويسكن معنا في البيت.

 

التفريط بالكفاءة

يشغلني دائما التفكير في علي كيف استطاع التكيّف مع حجم الزنزانة الصغير والضيق، يحبّ علي دائماً الأماكن المفتوحة ويحب كل شيء واسع وكبير، دائما يحرص على اقتناء الأشياء ذات السعة الكبيرة، كيف تحمّل كل هذا الضيق؟

ما زلت أتعجب: كيف تم التفريط بالدكتور علي العكري، بكل ما يملك من خبرة وحرفية في عمله، هو كفاءة متميزة في مجال اختصاصه، هناك الكثير من مرضاه أخبروني بأنهم خسروا الدكتور علي، لا أعلم إذا خرج من السجن هل سيتمكّن استعادة قدراته ومهاراته التي كان عليها قبل هذه السنوات.

لم أتصوّر أني سأعيش هذه المعاناة يوماً، لم أتوقع ما جرى علينا، هذه التجربة غيّرت نظرتي للحياة 180 درجة، تغيّرت نظرتي للناس وثقتي بهم. فريدة  قبل اعتقال علي ليست هي فريدة بعد اعتقاله، خرجت من التجربة قوية. أصبحت الدنيا لا تساوي شيئا عندي، أنظر إلى الناس وما يعانونه، من فقدت ابنها، من فقدت زوجها، من تنتظر ابنها المحكوم بـ 20 عاماً. آلام لا يستوعبها إلا من يعيشها.

كنت رئيسة مركز عالي، وتم نقلي إلى مركز مدينة عيسى بعد الأحداث، بمعنى أنه تمت مضاعفة العمل علي، لكن مع هذا لم يتأثر أدائي مع المرضى، مرضاي هم جزء مني، أحب الاستماع إليهم، هم يدركون ذلك، حتى صاروا يطلبونني بالاسم. على الصعيد الشخصي صرت أستطيع إدارة جميع شؤون البيت، في البداية اعتمدت على شقيقي، بعدها صرت اعتمد على نفسي.

 

في العدّ التنازلي

أوصاني علي بأنه لا يريد أي مظاهر فرح  للاحتفال بخروجه من السجن، لا زال متأثرا باستشهاد " علي السنكيس"، احتراما لوالد الشهيد ابن خالة الدكتور علي، هو متردد بين أن يستقبل الناس في  قريته الديه أو في بيته بقرية جبلة حبشي.  

نجلاء وسارة كونهما في الخارج قررتا الاحتفال بخروج والدهما بإرسال هدية خاصة له، من المؤكد أنهما لو كانتا في البحرين سيكون الاستعداد مختلفا. لقد استشرتهما فيما يجب أن اشتريه لوالدهما لخروجه، وضعت قائمة بكل ما يحتاجه علي من ملابس، عطور، حذاء.

عليّ له مكانة كبيرة في عائلته، يعتمدون آراءه وله كلمة مسموعة بينهم، كل أمورهم يبحثونها معه، لذا كان غيابه مؤثراً عليهم، حتى خلال فترة اعتقاله لم يقطعوا استشارته. بدأ والدا علي استعداداتهم لاستقبال الناس، ابتداء من تغيير الأثاث حتى الأواني، وصولا بقائمة الأطعمة التي سيقدمونها للضيوف. صارت والدته تهيأ نفسها لابنها تعد قائمة بأنواع الطعام الذي يحبه.

الآن وأنا استعد لعودته، رتبت أمور تنظيف البيت وتهيئته لاستقبال المهنئين، اشتريت حواجز خشبية لكي نستطيع استقبال النساء والرجال في وقت واحد، اشتريت له ثوبا جديدا، هناك قائمة من المستلزمات التي يحتاجها سأقوم بشرائها قبل خروجه، وهناك قائمة بالأمور التي يجب عليه القيام بها بعد خروجه من السجن مثل تجديد جواز السفر، رخصة القيادة، البطاقة الشخصية. أخذت إجازة 3 أسابيع كي أكون بقربه لإنجاز كل هذه الأمور، هناك أشياء إجرائية سيحتاج إنجازها مثل رفع حظر السفر، والترتيب لسفرة قصيرة إن أمكن ليرتاح فيها، لا أعلم ما الذي سيحدث لكن أتمنى أن نستطيع السفر معاً.

 

 



في 3 مايو 2011 عقد مؤتمر صحفي مشترك بين كل من خالد بن علي آل خليفة وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف، وفاطمة محمد البلوشي وزيرة التنمية الاجتماعية القائم بأعمال وزير الصحة آنذاك، أكدا فيه بشكل قاطع، أنه (ثبت بالدليل القاطع) قيام الكادر الطبي المعتقل بعدد من الجرائم وهى الامتناع بغير عذر عن إغاثة الناس، واختلاس أموال عامة، والاعتداء على سلامة جسم الغير، والاعتداء المفضي إلى الموت، وحيازة أسلحة وذخائر بغير ترخيص، والامتناع عن أداء أعمال الوظيفة بقصد عرقلة سيرها بما كان من شأنه جعل حياة الناس وصحتهم في خطر، وحجز الحرية بغير وجه قانوني، واستعمال السلطة في وقف وتعطيل تنفيذ أحكام القوانين واللوائح، ومحاولة احتلال مبنى عام بالقوة، والترويج لقلب وتغيير النظام السياسي في الدولة بوسائل غير مشروعة، والتحريض على كراهية نظام الحكم، وعلى بغض طائفة من الناس، وإذاعة أخبار كاذبة وشائعات مغرضة من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، والاشتراك في مسيرات غير مرخصة وتجمهرات.
التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus