"تكروز" يكشف عن نفسه: أنا حالة.. لا أدع كلمة تختنق في فمي..

المغرد البحريني حسين مهدي صاحب حساب
المغرد البحريني حسين مهدي صاحب حساب

2016-03-14 - 10:53 ص

مرآة البحرين (خاص): «كنتُ رافضا لفكرة أن أشّكل رأي يناسب ما يسمح به النظام أو يسمح به الناس، كنتُ أسطّر ما يدور بخاطري من استهجان، ولا أدع كلمة تختنق في فمي، فلا أمارس اضطهاد ذاتي لنفسي، وإلاّ فما هي الثورة؟!».  

هكذا يشرح المغرد البحريني تكروز (حسين مهدي)،  قسوته في نقد النظام البحريني الحاكم. وهو واحد من أشهر المغردين الذين برزوا خلال ثورة 14 فبراير 2011. صدر بحقه قبل أيام حكماً قضائيًا غيابيًا بالسجن 5 سنوات مع تغريمه مبلغ 10 آلاف دينار بحريني.

لكن تكروز الذي لديه خبرة الطيران، وكان يعمل مُضيفًا جوياً في طيران الخليج قبل فصله من العمل، طار بعيداً قبل أن يدخل القفص من جديد. فقد قضى في السجن 11 شهراً قبل أن يفرج عنه مع استمرار محاكمته.

لقد كان تكروز خارج البحرين قبل أن يتم اعتقاله في المرة الأولى. فرّ بعد أن استشعر تهديد السلطة التي بذلت كل ما في وسعها للوصول إلى صاحب الحساب المزعج، لكنه عاد رغم قلقه، بعد أن جاءه اتصال من شركة طيران الخليج يخبره بإعادته للعمل. لقد كان فخاً. كانت المخابرات في استقباله.

البلاد الباردة كانت هدف تكروز هذه المره ليحصل على الأمان من الملاحقة والأحكام القاسية، هو الآن في قارة أوروبا طالباً حق اللجوء في إحدى دولها العتيدة.

مرآة البحرين التقت حسين مهدي (مواليد 1971) أو تكروز، الذي يصرّح باسمه للمرة الأولى، وحاورته حول حسابه وعن طريقته القاسية في نقد نظام الحكم في البحرين، وعن مغادرته البحرين وعودته لاحقاً واعتقاله وتجربة السجن، وعن خروجه الأخير من البحرين، وتفاصيل أخرى، تجدونها طي الحوار التالي..

  • من هو تكروز؟ هل يمكن أن  تعرّف نفسك للناس؟

تكروز هو حالة وليس شخص، حالة غضب وتمرد تمثل جيل مختنق بالقيود يعيش عيانًا غياب العدالة ووحشية الظلم الطبقي، والاستفراد بالسلطة والحكم والثروات، لم أكن شخصا مميزًا ولا أردت ذلك ، ليبقى أن تعرف الناس من هو تكروز الحساب المتمرد، ولا يهم من يقف خلفه بشخصه الحقيقي.

  • بدا تكروز إسماً غريباً، لماذا اخترت هذا الاسم بالذات؟

الإسم بدا ساخرًا لاذعًا من بداية اختيار «نيك نيم» لتويتر ، كنا أنا وصديقي ينادي أحدنا الآخر بـ( طخروز) إذا كان أحدنا في حالة تهكم وسخرية من الآخر لسبب ما، خطر لي هذا الاسم بداية ساخرة لحساب حانق..

  • من خلال تغريدات سابقة، قلت أنك اهتممت بالسياسة بعد يوم 14 فبراير 2011، كيف تحول اهتمامك؟

ليس بالضبط، فقد كنتُ مهتمًا أو مهمومًا بالسياسة بالأحرى، لقد حفيت قدماي في مسيرات المعارضة قبل دخولهم البرلمان، وعندما أعلنوا نيتهم دخول البرلمان، وما زلت أذكر ذاك المكان الذي أعلنوا فيه نيتهم دخول البرلمان وهي الساحة القريبة من منطقة مروزان في السنابس ، سخرتُ منهم في داخلي، وانسحبت من المكان، قلت في نفسي هذا فراق بيني وبينك، كنتُ أبحث عن بديل أكثر تمسكا بثوابته وكانت هي الثورة.

دخلتُ في خضم الثورة وابتلعتني أمواجها في اليوم الثاني 15 فبراير في يوم تشييع الشهيد علي مشيمع، كنتُ قطرة في بحر الثورة الذي وصل إلى دوار اللؤلؤة.

  • بدوت ناقداً قاسياً للسلطة وأحياناً للمجتمع، لماذا اخترت النقد القاسي؟

تويتر يعطيك مساحة أكبر للتعبير عما يدور في خلدك، وما يجيش في داخلك من مشاعر وانفعالات ، حتى لو كان النظام متسامحا مع المعارضين ولا يعتقلهم لآراءهم كنتُ سأختار أن أكون حسابا غير معّرف، أمّا  لماذا اخترت النقد القاسي؟ أعتقد أننا مررنا بظروف أكثر قسوة، كلما هممتُ أن أكون موضوعيًا أو (متفلسفًا)، وجدتُ الكثير من المتفلسفين حولي ، كنتُ رافضا فكرة  أن أشّكل رأي يناسب ما يسمح به النظام أو يسمح به الناس، كنتُ أسطر ما يدور بخاطري من استهجان ولا أدع كلمة تختنق في فمي، فلا أمارس اضطهاداً ذاتيًا لنفسي وإلاّ فما هي الثورة ؟!

  • طبقاً لتقرير أعلنته منظمة بحرين ووتش، كان حسابك عبر تويتر أبرز حساب أرادت المخابرات إختراقه، كيف تعاملت مع هذا الأمر؟

لقد أدركتُ إنني مراقب ومستهدف من قبل أجهزة النظام، جاءتني عشرات من رسائل التهديد والوعيد عبر حسابي في تويتر بأنه سوف يتم اعتقالي، كانوا يرسلون لي عشرات الوصلات التجسسية لمعرفة صاحب الحساب، ولربما  فتحتُ أكثر من وصلة من تلكم الوصلات دون قصد. لم أكن حذرا بما يكفي في هذا الأمر، وكنتُ مؤمنًا وما زلت أن الكلام من أبسط حقوق الإنسان، وهو كذلك ولا يمكن ان تتخلى عنه .     

  • متى خرجت من البحرين ولماذا عدت وتم القبض عليك، أخبرنا بهذه القصة؟

خرجتُ من البحرين في العام 2013 لأني أحسستُ أن التهديد يقترب كثيرًا، وعدتُ بعد حوالي سنة، لماذا عدت؟ إساءة تقدير مني لمدى خوف النظام من الكلمة وسوء تقدير لمدى بطشه. لقد كنتُ أشعر بنسبة 90% أنه سوف يتم اعتقالي حال عودتي ولكني عدت. عدتُ لاني كنت أود العودة، وبعد وعود بالرجوع للعمل، لكنهم وجدوا لي عملاً آخر في سجن الحوض الجاف، اعتقلوني من المطار وأخذوني إلى مبنى التحقيقات مباشرة.

  • كيف كان التحقيق معك، هل تم تعذيبك؟، من الذي حقق معك، ولمدة كم من الوقت، وكيف تعاملت معك النيابة العامة، أخبرنا بتفاصيل الأسر والتحقيق؟

لمن يعيش في البحرين لا يمكن أن تُخفى عليه طرق التحقيق، بدأ المحقق بهذا السؤال: هل تعرفني؟ قلتُ: لا. قال: أنا المشهور في وسائل التواصل الاجتماعي بالمعذب والجلاد فواز الصميم ألم تسمع عني؟!

تعرضتُ للإهانة، والشتم، والضرب، والصفعات، والتهديد بالصعق الكهربائي والاعتداء الجنسي، وتلفيق تهم أخرى، وغيرها من أساليب التعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من النوم والأكل . النيابة لم تكن سوى حلقة اخرى من حلقات سلسلة القيد والتأكد من إحكامها على عنقك، لا شئ يستحق الذكر هنا سوى أنهم بؤساء فعلا.

  • بأي سجن كنت، وكم بقيت فيه، وهل عرف بقية السجناء أنك تكروز؟

بقيت في سجن الحوض الجاف نحو 11 شهرًا، تم بعدها إخلاء سبيلي مع استمرار المحاكمة، تجربة السجن كانت قاسية لأنها تحرمك من أبسط حقوقك وأهمها الحرية، الحرمان من الرعاية الصحية، إكتظاظ السجن وسوء الأحوال الصحية والنظافة ، تنتشر الأمراض الجلدية بشكل كبير وكذلك البق و الفئران، لا أنكر إن بعض حراس السجن كانوا لطفاء فهذا هو الشئ الطبيعي والمتوقع  من الانسان السوّي، لكن حين يأتيك حارسٌ بغيض فإنه يحول سجنك إلى جحيم، وينسيك لطف زميله الذي انتهى دوامه للتو، ناهيك عن حملات التفتيش المفاجئة التي يقومون بها من حين لآخر بحثًا عن الهواتف المحمولة لدى السجناء، حيث يعيثون فسادًا ويقومون بتخريب وتكسير وتمزيق وتقليب كل حاجيات السجناء.

في الأشهر الأخيرة  تصالحتُ مع المكان (السجن)، صنعتُ عالمي الخاص، كنتُ اعتني عنايةً خاصةً بفراشي وسريري، أقوم بغسل الشراشف والبطانيات باستمرار خوفا من البق،  كنتُ أنام ملء الجفون وأستيقظ مبكرًا، أخرج للفناء الخارجي حيث أنتظر أن يفتح الشرطي باب الزنانة بشغف في السابعة صباحًا، هناك صعوبة في إدخال الكتب، والمسموح به هو كتاب واحدٌ شهريًا لكل سجين، ومع ذلك لا يصل بانتظام، حيث يتم رفض البعض ودراسة البعض الاخر، كنتُ أتسلّى بقراءة كتاب قاموس اللغة الانجليزية حتى يصل كتاب جديد، ومن طول رفقتي معه كلما فتحت إحدى صفحاته عشوائيًا أخالني مررتُ عليها غير مرة قبل، مع إن عدد صفحاته 1600 صفحة، كنا نتسامر في الليل نحكي القصص والطرائف والنكات، الآن حين أتذكرها كانت ليالٍ جميلة، وضحكات بريئة، لكنها صاخبة ومن القلب، ننام بعدها مطمئنين.

  • كيف هي تجربك مع السجن؟

الأقسى في السجن هو عندما يعود مجموعة من المعتقلين من المحكمة، ومعظمهم شباب أعمارهم  أقل من 22 عاماً، وعلى كاهل أكثرهم أحكاماً بالسجن تصل إلى 15 عامًا وأكثر، والأكثر قسوة وأمّر عندما نودعهم حين يؤخذون الى سجن جو، حيث يبدأ الوداع والعناق وفي كثير من الأحيان البكاء لفراق رفقاء السجن..

كنا نودع عشرات الشباب أسبوعيًا بعد إدانتهم من المحكمة، هم مُحملين بعشرات السنين من الأحكام القاسية.

جعفر مؤذننا في العنبر ذو صوت جميل وأذانه يأسر القلب قبل السمع، أذانه في الفجر كان حالمًا وله وقعه وسحره الخاص، جعفر ذو شخصية رائعة شاب مرح وعفوي وبسيط، تم الحكم عليه بالسجن المؤبد، اجتمع جميع من في العنبر لوداعه، وحين اقتربت منه قلت له نريد ان نسمع الأذان منك قبل ان تذهب،  ودّع جعفر الجميع وحين أقترب من باب العنبر، وقف واستدار مقابلاً للسجناء، والشرطة من خلفه ينتظرون أخذه الى سجن جو، بدأ يؤذن مودعًا فأبكى الجميع، وأخال الشرطة تأثروا كثيرًا لهذا الموقف، فقد بدى عليهم الوجوم وتعابير بلهاء لا معنى لها. كان معنا سجين عربي مسيحي متهم بجرم جنائي، ودّع معنا الكثير من الشباب من قبل، قال لي لقد بكيتُ كثيرا هذه المره لوداع جعفر سأفتقد أذانه.

كيف كنتم تودعون بعضكم؟

ننخاك يابو الفضل

ننخاك يابوالفضل

فرّج عن احبابك

كلنا على بابك .

هكذا كنا نودعهم الى باب السجن ليذهبوا الى سجن آخر ..

  • كيف خرجت من السجن؟ وهل بقيت في البلاد أم انك غادرت فوراً؟

سافرتُ بعد خروجي من السجن بنحو شهر إلى تايلند، لكني لم أطمئن للأمر فما زلت في دائرة الخطر هناك إذا ماتم الحكم ضدّي وادانتي، سافرتُ هناك لاني أحب الجو الحار والطبيعة، ولكن يبدو أن الدول الدافئه لا تعطي الحماية والدفئ ، فقط الدول الباردة ويالها من مفارقة هي من توفر لك الحماية والدفئ مع قسوة بردها.

  • ماذا تقول لمن بقوا يغردون عبر تويتر كل هذه السنوات؟

اذا فقدنا الحق في الكلمة والكلام فلن يبقى لنا شئ ، لا تتوقفوا عن الكلام في الساحات والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي وفي كل مكان، غلق الأفواه آخر مراحل الطغيان.

  • هل تعتقد أن حرية التعبير سينالها شعب البحرين يوماً؟

حرية التعبير نالها شعب البحرين في فبراير 2011،  وواجبه عدم التخلي عنها ، لقد أسمع النظام أقسى كلمات النقد والإدانة  التي لم يتوقع ان يسمع 1٪ منها طوال عمره.

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus