الدكتور مسعود جهرمي في حوار مع "مرآة البحرين": في الطائرة رفعت يدي ملوّحاً بالوداع لمن قام بترحيلي

2016-03-11 - 9:57 م

مرآة البحرين (خاص): "القرار تم اتخاذه والتنفيذ فوري. القاضي ليس له أي اختيار". هكذا رد الموظف المسئول في إدارة الهجرة والجوازات البحرينية على الدكتور مسعود جهرمي، رئيس قسم هندسة الاتصالات في الجامعة الأهلية، واضعاً بذلك نهاية قسرية لوجوده المادّي في بلده البحرين. عرضت أمامه قائمة قصيرة لوجهات ثلاث: لبنان، العراق وتركيا. أُركب في سيارة، ثم أُركب في طائرة. كانت كاميرا الهاتف النقال للموظف المسئول تلاحقه بالتصوير. رفع يده ملوّحاً له بالوداع ثم حلّق في الفضاء. منذ الآن، يقول جهرمي "أنا مسافر إلى الله، والمسافر إلى الله يدرك الاستقرار". في الأسفل، الذي صار بعيداً الآن، بعيداً جداً، القاضي ليس له أي اختيار. الأمر كذلك حقاً مثلما عبر الموظف المسئول. هكذا تجري الأقدار في البحرين. وهكذا تضع رأسك في المساء مواطناً كاملاً قبل أن تصحو بلا جنسية. وعليك الرحيل إلى لبنان أو العراق أو تركيا! ويقول جهرمي "بكل برودة أعصاب قلت له: هل تسمح لي أن أستشير عائلتي؟ حينئذ لم يتحمل ورد بصوت مرتفع نسبيا: من الصبح نتصل فيك وقد أخرتنا إلى العصر والآن تطلب أن تستشير". "مرآة البحرين" التقت الدكتور مسعود جهرمي في مقر إقامته الحالي، وأجرت معه هذا الحوار. فيما يلي مقتطفات:

مرآة البحرين: دكتور مسعود، حدثنا بداية عن إسقاط جنسيتك في 2015، كيف تلقيت الخبر، أين كنت في ذلك الوقت؟

مسعود جهرمي: في يوم السبت الموافق 31 يناير/ كانون الثاني 2015 كنت خارجا مع عائلتي نتغدى في مجمع "كاونتري مول".  تقريبا كان ذلك في حدود الساعة 2 ظهراً. تلقيت رسالة  قصيرة على "الواتس اب" بخصوص مرسوم صادر إسقاط جنسية 72 مواطناً مع رابط الخبر من جريدة "الوسط". قبل تلقي المسج كنت أتناقش مع زوجتي في كيفية مواصلة دراستها الاكاديمية وبدء الدكتوراة مباشرة بعد أن تجتاز مناقشة رسالة الماجستر نهاية فبراير/ تشرين الثاني 2015. قلت لها وأنا أمسك جهاز النقال "ربش كريم ما ندري شنهو مكتوب لنا خلينا نصبر لنهاية السنة الدراسية وبعدين نقرر". كنت ساعتئذ قد  استكملت فتح الرابط على المتصفح لأفاجأ بوجود اسمي في المستوى الثالث.  ترتيب أسماء المسقطة جنسيتهم في القرار لم يكن طبيعاً، أول خمسة أسماء لم تكن مرتبة بشكل أبجدي، أما بقية الأسماء في القائمة فقد كانت مرتبة حسب الأبجدية العربية. إن هذا يدل على أن الأسماء الخمسة - التي كنت أحدها - قد أدخلت على القائمة لاحقا.

المرآة: من بعد إسقاط جنسيتك، هل تم إقالتك من العمل أم استقلت؟

جهرمي: مباشرة يوم الأحد اتصلت بمكتب رئيس الجامعة وطلبت مقابلته؛ حيث كنا في بداية الفصل الدراسي الثاني. سألته عن موقف الجامعة حتى أعرف مصيري، فكان جوابه منطقيا بأن توظيفك و منصبك على أساس شهادتك وخبرتك وأنت من كفاءات الجامعة من بداية تأسيسها ولا علاقة له بالجنسية في عقد عملك. على هذا اتفقنا، أن أواصل عملي كالمعتاد كرئيس قسم ومدرس في الوقت نفسه. ولكن بعد عشرة أيام من اتفاقنا تلقيت مكالمة من مديرة مكتبه تطلب أن ألتقيه في حدود الساعة 12. حين قابلته قال إنه تلقى اتصالا في اليوم السابق يلزمه بفصلي عن العمل وأنه كان يحاول مقاومة ذلك إلا أنه تلقى مكالمة أخرى من مكتب الوزير في اليوم الذي قابلته؛ إذ طلب منه تنفيذ القرار وإلا سيتم اتخاذ إجراءات أخرى ضد الجامعة. وقال إنه تشاور مع إدارة الجامعة وقد قرروا ألا يفصلوني إنما فقط سيقومون بوقفي عن العمل  إلى أن تخرج نتيجة طعني في قرار إسقاط الجنسية أمام القضاء. لقد سبق وأن تم إيقافي في العام 2011 لمدة 10 أشهر (5 أشهر في السجن ومثلها 5 أشهر أخرى حين كنت أنتظر نتيجة المحاكمة التى انتهت بسجني بتهمة المشاركة في مسيرة). وحيث أنني لم أتسلم أي مبلغ فقد سألت رئيس الجامعة عما إذا كنت سأتسلم مبلغا أم لا؟ الرد الطبيعي طبعا كان لا. ونظراً لأنني كنت واثقاً من نتيجة الطعن على قرار إسقاط الجنسية فقد طلبت منه أن أستقيل بالتراضي. وعدني خيرا إلا أنه فيما بعد قال إنه من المفترض أن أتسلم حقوقي من التأمينات الاجتماعية؛ أما الجماعة فستقوم بصرف لي راتب شهرين كمكافأة.

راجعت التأمينات، وبعد أكثر من مراجعة؛ طلبوا مني حكم المحكمة بالإبعاد حتى أستطيع الحصول على مستحقاتي. ثم بعد صدور حكم المحكمة الصغرى راجعتهم من جديد و سلمتهم كل الأوراق المطلوبة الا أن المعاملة ظلت 6 أشهر موقوفة في مكتب نائبة الرئيس التنفيذي بلا سبب. فالجامعة تعد من القطاع الخاص و المبلغ الموجود مستقطع من حقوقي الشهريه منذ أن بدأت العمل في الجامعة العام 2003.

المرآة: ما هي المضايقات الأخرى التي تعرضت لها من بعد إسقاط جنسيتك؟

جهرمي: كنت ممنوعا من ممارسة النشاط التجاري أو مزاولة أي عمل. لذا راحت الارتباطات المالية مع البنك ومصاريف مدرسة الأطفال تسبب لي المزيد من الضغط النفسي. الشيء الأصعب في كل ذلك، كان عدم وضوح الرؤية المستقبلية والاختلال الحاصل في تخطيط برامج العائلة.

المرآة: بعد أن أيدت الاستئناف ترحيلك، بماذا فكرت؟

جهرمي: لم أرتكب أي جرم أو مخالفة تستدعي إسقاط الجنسية؛ لذا مبدئيا فقد كنت رافضا القرار. لكنني مدرك تماماً أيضاً أنه قرار سياسي اتخذته الحكومة وأن مسألة إلغائه جزء من الحل النهائي. منذ البداية عملت على أن أتقبل الواقع وأتفادى الصدمات غير المجدية والتصرف في المقابل على أىساس تكليفي الديني والوطني بلا تعصب. حين تسلمت أول إحضارية للمحكمة على أساس الإقامة الغير القانونية، وبعد استشارة حقوقيين قمت بمخاطبة إدارة الهجرة والجوازات. أوضحت بأني لا أحمل أي جنسية ولكني على أتم الاستعداد لتوفير كفيل بحريني شريطة أن أمارس حياتي الطبيعية في موطني بدون مذلة. أو في حال تعذر ذلك، فأنا أطلب إصدار وثيقة سفر لي صالحة حتى أغادر البلاد. في أولى جلسات المحكمة قدمنا نسخة من الخطاب إلى القاضي؛ لكن للأسف لم نحصل على رد. عندما تغير مسار محكمة الاستئناف اتضحت الرؤية.

عندما تغير مسار محكمة الاستئناف اتضحت الرؤية؛ تقدمت بخطاب إلى وزير الداخلية بتاريخ 25 فبراير/ شباط 2016  طالبا منه تأخير ترحيلي إلى نهاية السنة الدراسية. وفي الوقت نفسه راجعت المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان طالباً منهم التدخل لتأجيل الترحيل. لم تكن تلك رغبتي؛ ولكن زوجتي تتعالج عند أهلها وكان الأطباء ينصحون ببقائها، إلى جانب التزام ابني بالدراسة المدرسية. بما أنني لم أحصل على رد قاطع فقد قررت زوجتي الرجوع إلى البحرين فجر يوم الأحد 6  مارس/ آذار. وفي الساعة 13:30 ظهراً من نفس اليوم صدر الحكم برفض الاستئناف وتأييد الحكم السابق. تلقيت أولى المكالمات من إدارة الهجرة والجوازات في حدود الساعة 8 من صباح اليوم التالي الاثنين تطلب حضوري. لم أدر لها بالاً وعاودت الاتصال بالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لإتمام الحجة. ذهبت إليهم وانتظرت إلى أن قابلت المسئولة التي قالت لي إن رئيس المؤسسة يتابع شخصيا الموضوع وإن الحقوقيين التابعين لهم ينصحون بتقديم طلب تأجيل التنفيذ إلى قاضي التنفيذ من قبل المحامي. بالفعل تم تقديم الطلب وانتظرنا إلى نهاية الدوام، ولكن لحظنا بأن القاضي لم يعلق على الطلب كما أنه لم يرجع الملف إلى الموظف. في ذات الوقت تواصلت اتصالات إدارة الهجرة والجوازات، وقد كررت لهم في كل مرة الجواب نفسه بأنني قدمت طلبا لقاضي التنفيذ وأنتظر رده. الى أن ظهرت ملامح التهديد في المكالمات فاستشرت المحامي واتخذت قراري بالذهاب إليهم.

المرآة: داخل إدارة الجوازات، هل تمت إساءة معاملتك لفظيا أو جسدياً؟

جهرمي: عند وصولي إلى إدارة الهجرة والجوازات في حدود الساعة 4 عصراً، كان يجلس في انتظاري الموظف وشخص آخر من أسلوبه كان واضحاً بأنه من الأمن. التعامل لم يكن سيئا، وإنما كان هناك عتاب على التأخير. كانت إجابتي  لهم واضحة، بأنني قدمت طلباً إلى القاضي وقانونيا يجب أن أحصل على الرد بالموافقة أو الرفض. وقد رد علي: القرار  تم اتخاذه والتنفيذ فوري، والقاضي ليس له اي اختيار.

المرآة: هل دار حديث بينك وبين أي من المسئولين في الجوازات؟

جهرمي: بعد ما أن قال لي بأن قرار التنفيذ قد صدر، طلب مني الاختيار مكرها المقصد.. قلت له: بريطانيا! قال يتطلب تأشيرة فرددت عليه: لقد سألتني أين أختار وقد أعطيتك خياري. استشعرت معرفته بأنني أجاريه في الكلام، فعرض علي الاختيار من بين ثلاث دول: العراق، لبنان أو تركيا. بكل برودة أعصاب قلت له: هل تسمح لي أن أستشير  عائلتي؟ حينئذ لم يتحمل ورد بصوت مرتفع نسبيا: من الصبح نتصل فيك وقد أخرتنا إلى العصر والآن تطلب أن تستشير!

المرآة: كم عدد من رافقوك لمطار البحرين، وهل سمح لك بتوديع عائلتك قبل السفر؟

جهرمي: لقد سبقني الإخوة الذين تم ترحيلهم؛ لذا فقد كنت عارفا الموضوع. ودعت الأهل قبل المجيء إلى الجوازات وأخذت معي شنطة ثياب ورافقني إلى الجوازات أخي و زوجتي وابن اختي بالإضافة الى المحامية. لم يسمح لهم بالدخول معي وقت المناقشة وتركوا ينتظرون في الأسفل بينما تركت بدوري أغراضي معهم. مباشرة نزلنا، كانت هناك سيارة تنتظرني، حملنا الأغراض في الصندوق وودعت عائلتي. ركبت السيارة أنا والسائق والمسئول.

المرآة: حسب ما نقل المحامي محمد التاجر فإن رحلتك كانت ترانزيت في قطر، هل كنت تحت المراقبة في مطار الدوحة؟

جهرمي: ونحن في السيارة كان الشخص المسئول يتصل طالباً فتح بوابة دخول الشرطة في الطابق العلوي من المطار. وبالفعل دخلنا من البوابة الصغيرة التي تتصل بقاعة مكاتب الجوازات. هناك انتظرت في حجرة صغيرة إلى أن صار وقت الإقلاع فاتجهنا الى البوابة مع المسئول والسائق و ثلاثة أشخاص من أمن المطار. قبل ركوبي الطائرة سلموني الجواز الصادر في نفس اليوم، وهو صالح لمدة سنة مذكورة فيه الجنسية من سكان البحرين مع التذكرة. عند ركوبي الطائرة كان المسئول يصورني بالموبايل، التفت له وحركت يدي كما لو كنت أودعه. بعد إغلاق باب الطائرة تحركوا وانتهت مهمتهم والمراقبة.

المرآة: لماذا برأيك تم استهدافك وسحب جنسيتك وإبعادك. هل هي رسالة يريد الحكم إيصالها للعجم الشيعة في البحرين؟

جهرمي: طبعا المعروف أنني شخصية أكاديمية ثقافية ولست مشتغلاً بالسياسة. لا عضوية لي بأي جمعية سياسية رغم أنني أحتسب على تيار "الوفاق". بعد صدور الحكم في يناير/ كانون الثاني 2012 لم تكن لدي أية مشاركة في مؤتمرات أو ندوات أو حتى ظهور إعلامي في الصحافة أو برامج التواصل الاجتماعي. استهدافي قد يكون لأني لم أشارك في الانتخابات وتمسكي بقرار جمعية "الوفاق" في المقاطعة.

المرآة: هل قررت الاستقرار في دولة ما، أم لازال من المبكر الحديث عن ذلك؟

جهرمي: أنا أؤمن بأننا مسافرون إلى الله، و المسافر إلى الله يدرك الاستقرار إذا كان في طاعة الله! قد تعتقد بأني هربت من الإجابة أو أنها ليست إجابة على السؤال ولكنني أقصد ذلك فعلاً. منذ أيام دراستي معظم المعارف والأصدقاء كانوا يقترحون عليّ العمل على حصول الإقامة في دولة غربية متقدمة. من بعد أحداث 2011 ونتيجة لاعتقالي، عرضت علي منظمات حقوقية تعتني بشئون الأكاديمين  مساعدتي في العمل على توفير فرص الحصول على بعثة لفترة سنة أو سنتين كباحث أكاديمي. من المؤكد أني سوف أتواصل معهم وأراجع بدقة الفرص المعروضة. أنا لا أحمل جنسية الآن، هل هذا سيكون سهلاً؟ لا تنس أنني زوج وأب لابن وبنت، وفي النهاية أنا مسئول أمام الله. القرار صعب وقد يتغير في أية لحظة. البوصلة التي سأزن بها قراري هي "طاعة الله". ألسنا على الحق! على يقين بأن الوعد إلهي وسوف يتحقق.

سيرة ذاتية:

  • الدكتور مسعود جهرمي من مواليد 1970

  • حاصل على بكلوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة البحرين 1993.

  • حاصل على ماجستير في التحكم و تقنية المعلومات من جامعة مانشستر في ريطانيا 1994.

  • حاصل على الدكتوره في هندسة الشبكات من جامعة كنت في بريطاني 2002.

  • عمل كمهندس في شركة نفط البحرين "بابكو" 1994.

  • عمل منذ العام 2002 مدرساً في الجامعة الأهلية ورئيساً لقسم هندسة الاتصالات إلى العام 2015.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus