البحرين: سيرة المقاومة المدنية

02/01/2012م - 12:04 م - 3458 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



مرآة البحرين(خاص):  تقرير تأملي تتبّعيّ -وليس تأريخيا، لثورة 14 فبراير- ومن خلال مسبر مُحدّد هو مقولة: المقاومة المدنية. تهدف القراءة إلى رصْد أهم وسائل النضال السلمي التي اعتمدتها هذه الثورة، وتسليط الضّوء على السياق الحاضن والمولِّد لها، إضافة إلى النقاشات التطورية والحجاجية التي تزامنت أو تأثرت بها. يعتمد التقرير/ القراءة منهجيا على كتاب "المقاومة المدنية" للباحث البحريني عبدالهادي خلف، كما أنها تستضيء بكتاب جين شارب "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، وتعدّ كتابات شارب واحدة من إحالات خلف المرجعيّة. تمثّل هذه القراءة اقتراحا تمهيدياً لأي جهد توثيقي مفصّل لأيّام الثورة، وهو مشروع وطني يُراد له الإنجاز في أقرب وقت.
 
  كانت الثورة المصرية -ومن خلفها ثورة الياسمين في تونس- هي محطّ أنظار البحرينيين. يسجّل المتابعون أنّ النموذج السلمي للثّورة لم يكن عصيا تطبيقه في البحرين، ولكن السؤال الذي ظلّ يشغل كثيرين هو: ما مدى السلمية التي يمكن الالتزام بها، لاسيما في ظلّ سجالاتٍ سابقة داخل البيت المعارض حول أساليب النضال والإستراتيجيات، والاختلاف على الوصفة السّلمية؟

     حينما خرج البحرينيون يوم 14 فبراير، انكسرت الهواجس تلقائيا. لم يخضع الجميع لدورات تدريبية في المقاومة المدنيّة، ولم تكن برفقتهم فرق منظّمة تجيد فنّ الاستنزاف اللا عنفي لقوات الأمن. اكتفى البحرينيون بخبراتهم المتراكمة وصدى الرّبيع العربي، وبالمعجم الثقافي والقيمي الذي يتمثّلونه في إدارة سلوكهم الخارجي. على هذا النحو مرّ ذلك اليوم.

مشهد مختبري: سلميّة اليوم الأوّل

     المكان: قرية الديه عند الشارع المقابل لمجمع جيان التجاري. الزمان: 14 فبراير 2011. الساعة: الثالثة والنصف عصرا. المناسبة: يوم الغضب في البحرين.
     تتقدّم القوات إلى التجمع السلمي الذي بدأ للتّو. كان الضابط يأمر القوات بالتقدم، فيما عيونه مشغولة في جهاتٍ شتى. عندما تُدير الوجه نحوه أكثر، تتأكّد أن أعصابه تتجه ناحية قرية سنابس، وتحديدا على ضفافها المحاذي لبؤرة الأنظار يومها؛ دوار اللؤلؤة. المشهد من جهة جيان يبدو شبيهاً بسيل من الألوان الرمادية. القوات تتجه بهيبةٍ مفتعلة نحو مجموعات مختلطة (شباب، شابات، أطفال) تضجّ باللافتات. لا يستوعب المرء الحدث المرتقب. أيّ متابع حريص على الوقائعية سيضطر لأن يترك الزوايا الآمنة والاقتراب نحو نقطة الاحتشاد أملاً في التقاط الصّورة المحفوفة بالغموض.

     المفاجئ أن المتظاهرين كانوا ثابتين في أماكنهم، لا يعتريهم الخوف من الفوّهات التي تكاد تلتصق بهم. تقترب من القوات فتجد حيرةً صفراء تخيّم على الوجوه المختبئة تحت الخوذات. لم يتغيّر الموقف السلمي حين تمّ الإطلاق. تفرّق الجمْع تحت وابل الغازات، ولكن ليعود من جديد. تلك كانت الالتقاطة الأولى لأنفاس المقاومة المدنية للثّورة الجديدة. القرية المعروفة سابقا بمواجهاتها الشديدة مع القوات، بدت مختلفة هذه المرة. في واحدة من الإعادات، تقدّم شبان يعرضون على القوات لافتات مطلبية هاتفين: "سلمية سلمية". على مقرية من المشهد، يراقب القيادي في جمعية الوفاق، سيد هادي الموسوي، فتى صغيرا يحمل حجرا، ليقترب من الأخير شابٌ آخر ويُذكّره بالدّرس الأول: "سلمية". ونجح الاختبار. 

الاعتصام المركزي في دوّار اللؤلؤة

     دخل المحتجون دوّار اللؤلؤة ظهيرة 15 فبراير محمّلين بملفين متبادلين سيمثلان جوهر المناقشات الداخلية للحركة الاحتجاجية: الأول الشعار المطلبي وتوحيده، والثاني: إستراتيجيّة المقاومة المدنية القادمة.

     نظرا لسقوط اثنين من الشهداء (الشهيد علي مشيمع 14 فبراير، والشهيد فاضل المتروك 15 فبراير)، فقد وجد شعار إسقاط النظام بيئته المؤاتية. ونظرا لذلك، لم يكن مستغربا أن المتظاهرين الذين تقاطروا لاحتلال الدّوار والاعتصام فيه كانوا يهتفون بذلك الشعار. كان ذلك، على الأقل، المشهد الأكثر اتساعا وتقبّلا. سيؤثر ذلك لاحقا على إدارة العمل اللا عنفي المنتظر، إلا أن الاعتصام في الدوار، واستطاعة المعتصمين تنفيذ ورش عمل مفتوحة، سيمكّن من إعداد تدريجي وغير مكتوب لمانفيستو المقاومة السلمية.

     ينبغي تسجيل أن شعار إسقاط النظام لم يخضع لشطب إرادي من جانب المشاركين في الاعتصام، وبدلا من ذلك جرت عمليات مراجعة أو تحسين أو تركيب توافقي للشعار. لم يكن الأمر مثاليا، وبرزت بعض ردود الأفعال غير المتوازنة، ولكن في كل الحالات، ظل الشعار ثابتا في مكانه، واعتلى المنصة الرئيسية للاعتصام. ويمكن استنتاج أنّ المفهوم الواضح للمقاومة المدنية لدى المعتصمين كافة؛ أسهم في اقتراح المعالجات التوفيقية، كما هي محاولة إبراهيم شريف – أمين عام جميعة وعد – في تفسير مفهوم إسقاط النظام بما يجعله مساويا للشعار المطلبي المنافس آنذاك: المملكة الدستورية. لقد أدرك الجميع أن تقديم تنازلات، ولو على مستوى الشعار، يُفقِد الاعتصام جوهره في التحدي والنضال الجاد. وفي الحدّ الأدنى، فإن مقولة التوازن القوي – التي بلورها غاندي – تفقد اعتباريتها لو جرت تنازلات على هذا الصعيد، حيث تتمسك المقاومات الحقيقية بمواقف سياسية صلبة تفرض قدرا من التوازن مع السلطة المدجّجة بالسلاح، في مقابل الشعب الأعزل الذي قرّر السلوك اللا عنفي في النضال. 

      جوهريا، سيؤدي الاعتصام في الدوار، وبالكيفية التي تمّت، إلى تحقيق أثرين أساسيين يؤكد عليهما المهتمون بالنضال السلمي وفنونه. فقد عزّزت النقاشات المفتوحة الإقدام المدهش على تجاوز الخوف، وإسقاط جدار الخشية من السلطة وقمعها، وهي من مستلزمات التحدي السلمي الناجح. ومن ناحية أخرى، رسّخت تلك العادة المدنية التقبل الديمقراطي لوجهات النظر الأخرى، والتسامح الواقعي مع الأيديولوجيات المتعددة التي يمكن أن تنخرط في العمل الجماهيري السلمي. لاحقا، وعندما تشتد إجراءات السلطة، ستتبلور الفائدة القصوى للتعزيزات المعنوية والتثقيفية التي وفّرتها طاولات الحوار في الدوار.

اختبارات السّلمية: الوردة، العلم الوطني، الصّدور العارية

     بعد الهجوم الوحشي والغادر على المعتصمين فجر الخميس، 17 فبراير – وقد أدى إلى سقوط أربعة من الشهداء - انتقل مسار التحدي السياسي إلى حدود جديدة من المواجهة. استخدام العنف الذي تسبّب مزيدا من الشهداء، سوف يعيد ممارسة الأسلوب المتكرر للمقاومة المدنية، وهو تحويل الجنائز إلى احتجاجات غاضبة ضد النظام. عملت الجنائز على إبراز الفجيعة وبالتالي تعرية وجه النظام من ناحية، وأكّدت على الزخم الثوري من جهة أخرى. وهذه وسيلة مركزية على امتداد ثورة اللؤلؤة كون الأخيرة تميزت بقوافل متتالية من الشهداء، وهو ما سيبرر ظهور عدد من الوسائل الرفضية الخاصة ببيئة الجنائز وتشييعها، من قبيل فعالية الشموع، التي ستجد حضورها الأبرز والأوسع بعد الهجوم الثاني على الدوار، وانتقال الاحتجاجات إلى القرى والمناطق في أغلب الأوقات. 
 
     في يوم 20 فبراير، دخل التحدي المقاوم مرحلة جديدة، كان عنوانه العريض: الصدور العارية. وكان الشهيد رضا بو حميد رمزه الكبير (1).
     كان المطلوب التغلّب على إستراتيجية الالتفات والاجراءات الاستيعابية للنظام، وذلك بعد إثبات القدرة على إجهاض إجراءاته القمعية المختلفة.
      في المرحلة الثانية من اعتصام الداور، استطاعت الثورة السلمية أن تُكرّس ثقافة الإقناع والتحدي بالأسلوب المدني (2). برز شعار "أنا الشهيد التالي" في هذا السياق، ولم يكن يحمل رسالة عنفية أو رغبة في الموت العبثي كما صوّره الإعلام التابع للنظام. في الواقع، مثّل هذا الشعار، والسلوكات الاحتجاجية التي صاحبته – من قبل ارتداء الأكفان والتقدّم العاري نحو القوات المعتدية – أجلى مظاهر التمرّس على إسقاط الخيار القمعي، وهو مشهد احتفلت به الصحافة العالمية ودلّت عليه العبارة الشهيرة "مثخنون بالجراح ولكن لا ينحنون".

      اشتغل المعتصمون في هذه الفترة على ابتكار الرموز والثيمات، وتنوعت الأساليب التعبيرية وأدوات الفن. أعطى الاعتصام – إضافة إلى مشاعر الإقدام – فرصة هائلة لإطلاق المواهب والإشارات الاحتجاجية، وتم توظيف كل شيء في هذا الاتجاه (القدو (النارجلية) (3)، النفيش (الذرة)، اللوحات الجدارية، التعبيرات الساخرة. ظهر في هذه الفترة تعبير "شحوال" (4) (كيف حالك؟) تعبيرا عن الإيذاء النفسي لمعنويات النظام، وتذكيره بقرب الرحيل.
 
دوّار الؤلؤة: الاعتصامات والمسيرات الدّوارة
 
     إعادة الاعتصام في دوار اللؤلؤة عزّز قيمة التحدي السياسي وجدوى المقاومة المدنية، وقد سارع المعتصمون إلى توسيع نطاق النقاشات في ساحة الاعتصام. تعبيرا عن المشاركة الشعبية العارمة في الاعتصام، انطلقت من ساحاته المسيرات المختلفة. وهي وسيلة هامة لإعطاء الزخم العام للاحتجاجات، وتجديد انطلاقتها، والتحشيد المتواصل للمطالب المرفوعة، وصولا إلى محاصرة النظام وتحقيق التوازنات المطلوبة.
     في هذا السياق، سيّرت المعارضة مسيرة الشهداء الحاشدة (5)، والمسيرة التي طافت على مبنى الحكومة (6) والمرفأ المالي(7). وصولا إلى الاعتصام الجزئي الذي أريد له الاستمرار يوميا قرب قصر القضيبية(8).
     في هذه الفترة، بدأ تجمع الفاتح يأخذ تصعيدا لجهة التشكيك في النضال المطلبي لثورة فبراير، وأخذت تظهر على السطح بدايات الاصطفاف الطائفي. في هذا الإطار، خاضت الثورة جهدا مضنيا للوقوف في وجه هذا التشطير، وأكّدت على البعد الوطني للحركة الاحتجاجية من خلال ابتكار الشعارات الوطنية (إخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه) والسلسلة البشرية التي انطلفت من مسجد الفاتح ذهابا إلى دوار اللؤلؤة(9)

دوّار اللؤلؤة: توسيع الدائرة الخانقة..الإضراب العمالي والمرفأ المالي

     بحسب طبيعة الأعمال الاحتجاجية، فقد كان من الطبيعي أن تزداد وتيرة التصعيد النضالي على مستوى العدد والكيف. ومن حيث تنويع المبدارات، تم توجيه المسيرات لتتخذ أدوار مركبة في التعبير الاحتجاجي من جهة، وإلحاق المزيد من الضغط المعنوي على النظام. وفي هذا السياق، تم توجيه مسيرات إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، والمسيرة التي تحرّكت باتجاه الديوان الملكي (10)، والأخيرة التي انطلقت إلى قصر الصافرية (11) وطوّقت أسواره.
      أجّج من هذا الصعيد، انكشاف خطة الاحتواء للنظام، وسعيه الدؤوب لتطويق الاحتجاجات من خلال وسائل استيعابية وتفريغية واستخدام الأدوات التلقيدية في إثارة الخلاف الطائفي. وكان من الطبيعي أن تأخذ المقاومة المدنية حراكا تصعيديا، قد لا يكون محسوبا تماما، رداً على مناورات النظام، التي كان يمكن أن تُهدِّد أساس الحركة الاحتجاجية برمتها.
    في هذا الإطار، كان إغلاق المرفأ المالي(12) ،والتي عدّت خطوة تصعيدية متقدّمة في مجال المقاومة المدنية، وتعدّد بشأنها الآراء. وبرغم أن هذه الخطوة أحيطت منذ بداياتها بالنقاشات المتعددة، فإنها لم تكن مفاجئة، وقد عمِد المحتجون منذ الأيام اللاحقة للاعتصام في الدوار، إلى توسيع الخيام، وتم تثبيت خيمة خاصة بالمعتصمين عند المرفأ المالي نفسه، كما كان ساحة مفضّلة لعدد من الاعتصامات في هذه الفترة. وعدا عن رمزية هذا المكان، والذي ارتبط بعملة الدينار (قيمة شراؤه من جانب رئيس الحكومة)، فإنه يمثّل في نظرية المقاومة الإيجابية هدفا مطلوبا وبإلحاح، وبمعزل عن الاختلاف الذي ورد بشأن التوقيت. 

ما بعد دوّار اللؤلؤة: التاريخ المفصّل للمقاومة المدنيّة

     من دخول قوات درع الجزيرة (13)، وإخراج المعتصمين من الدوار وتدمير نُصب اللؤلؤة، وإعلان الطوارئ، وعودة النظام لاستخدام عمليات القمع الواسعة، تكون المقاومة المدنية في ثورة فبراير قد دخلت تاريخها الحقيقي.

     في الفترة الأولى لهذه المرحلة، ستكون الجنائز هي الوسيلة الاحتجاجية الأبرز، وذلك نظرا إلى أعداد الشهداء وتوالي الأنباء بشأن سقوطهم. يمثل خبر الشهادة حافزا لتنظيم استعدادات واسعة للتشييع، وفي حين انتهت أغلب الجنائز في هذه الفترة دون تدخل القوات، إلا أن الأهالي كانوا يحرصون على تجديد الاحتفاء بالشهداء ليلا من خلال مسيرات الشموع (14)، وهي الفعالية التي برع البحرينيون في تقديم معانيها النضالية. كما أن إنهاء مراسيم العزاء (كسار الفاتحة) تكون عادة مناسبة لتجديد الزخم الثوري، وهي عادة ما تكون عرضة لتدخل القوات واندلاع المواجهات.

        برز التكبير (15) من أسطح المنازل باعتباره الفعالية الليلية المركزية. ويشير تدخل القوات وبطشها الهمجي إلى الدّور المعنوي والاحتجاجي لهذه الفعالية التي التزم بها الأهالي في توقيتات معينة وبأساليب تكاد تكون متشابهة.

       جنبا إلى ذلك، اتسع في هذه المرحلة استخدام الأبواق لعزف النغمة المعروفة (تن تن تتن) (16). كانت النغمة في فترة الاعتصام بالدوار تؤدي دور التعريف بهوية المحتجين، وعبّرت عن تصاعد المطلب الثوري من جانب آخر. ولذلك فقد كان توظيفها وقتئذ يحمل طابعا مطلبيا وكرنفاليا. بعد ذلك، أضحت النغمة وسيلة احتجاج وترهيب نفسي للقوات، وتشير المواد الفلمية إلى حضورها الدائم في الاحتجاجات التي بدأت تعود في فترة الطوارئ على مستوى القرى، وهي تصدر في الغالب من البيوت وأسطح المنازل لإعطاء المتظاهرين زخما معنويا وإظهار الاعتراض في وجه القمع الذي يزحف باتجاههم.

     مع الإعلان عن موعد إنهاء الطوارئ، بدأت المقاومة المدنية تستعيد التقاطتها الثورية الجديدة. بدأت برامج التحشيد للعودة إلى دوار اللؤلؤة (17) على مدى زمني متواصل. وتم ابتكار فعالية متنقلة بين القرى والمناطق تحت عنوان "تقرير المصير" والذي بدأ لأول مرة في منطقة جدحفص (18) متزامنا مع وصول لجنة تقصي الحقائق التي شكلها النظام.

      أعادت فعاليات تقرير المصير الأنماط الخاصة بالنضال اللا عنفي في البحرين. فبرز الإبداع في مقاومة العنف بوسائل لا عنفية، مع إظهار مستويات عالية من الشجاعة في وجه القمع العنيف الذي خلّف المزيد من الشهداء والضحايا (19).

    وبصحبة هذه الفعاليات الشعبية، بدأت المعارضة (وعلى رأسها الوفاق)، وفور انتهاء الطوارئ، بإعادة الحضور الشعبي، وبدأت تدشين سلسلة من الاعتصامات الأسبوعية السّيارة في مناطق البحرين. وقد أفادت هذه الاعتصامات في تثمير الحراك الدبلوماسي في الخارج، وفرض معادلات جديدة في التحدي السياسي.
     نوّع المحتجون وسائل في الاحتجاج، ومن ذلك تدشين فعاليات شعلة "تقرير المصير" (20) والتي جالت على مختلف مناطق البحرين. وهي فعالية ذات طابع معنوي، وتقوم على الاعتصام الجزئي، وإلقاء البيانات والخطب الثورية، مصحوبا برمزيات معينة، في مقدمتها الشعلة التي تنافست المناطق في طريقة تقديمها لجمهور المعتصمين. وتشهد المناطق بعدها موجة جديدة من المسيرات والتي تلجأ القوات إلى قمعها وتفريقها بالقوّة.

     ضمن المناقشات الداخلية، تم التأكيد على ضرورة الحشد الاحتجاجي قريبا من العاصمة ومحاورها الرئيسية. وفي ذلك، كانت فعاليات العودة إلى دوار اللؤلؤة، والتي أخذت أشكالها متنوعة، وأبرزها مع دخول فعالية طوق السيارات (21)، والتي استخدمت بفعالية بهدف غلق الشوارع الرئيسية، ولاسيما المحيطة بالعاصمة ودوار اللؤلؤة.
     في هذه الفترة، كان مفهوم تحرير الدوار مسيطرا على الفعاليات الاحتجاجية المختلفة، وقد أُعطي بعدا بطوليا ومؤثرا مع إقدام بعض الأفراد على دخوله في مشاهد أعادت تصوير الشجاعة والسلمية.

    واستتباعاً لفكرة العودة إلى الشوارع الرئيسية، تجددت الاعتصامات المركزية في شارع البديع ومناطق أخرى، تحت عنوان "احتلوا شارع البديع" (22) و"احتلوا الكورنيش".

ملحق مسرد: أساليب العمل اللا عنفي في ثورة 14 فبراير

أولاً: أساليب الاحتجاج والإقناع

    •    تصريحات رسمية: صدور خطابات عامة مؤيدة للثورة من جانب الرموز الدينية والسياسية، واجتهاد الرموز لأجل وضع الثورة في سياقها المحلي والإقليمي. وتأكيد هذه الخطابات على الأسلوب السلمي، وعدم التنازل وتقديم التراجعات، بما يفيد الإجماع على المفهوم "المقاوم" للاحتجاجات القائمة، وعدم القبول بأية تسويات مبهمة أو الحلول الرمادية.

    •    مخاطبة الجماهير العريضة: ابتكر المحتجون يوميا الشعارات والهتافات، وعبر ذلك عن وعي شعبي لتطورات الأوضاع، والإصرار على المضي والثبات (من بعد الخميس أنهينا الكلام.. الشعب يريد إسقاط النظام، بلطجية بلطجية يا حكومة يا غبية...)/ الرسوم الكاريكاتيرية، وقد استخدمت بطرائق مختلفة، مع الاستثمار الكبير لوسائل الاتصال الاجتماعي، وكانت وسيلة فعالة في تسخيف المواقف الرسمية وإبطال مزاعم النظام بطريقة الفكاهة والسخرية / الكتابة عبر اللافتات، وهي أداة حاضرة في المسيرات كلها، وقد اختزلت الموقف الشعبي من الإرجراءات والتطورات الراهنة / الكتابة على الجدران وفي الجو وفي الأرض. وقد توسّعت هذه الطريقة على امتداد يوميات الثورة، وباستخدام تجهيزات فنية متنوعة من قبيل الطائرات الورقية والبالون والأصباغ العريضة للكتابة على الأرض.

    •    احتجاجات جماعية: الاعتصامات استمرت على امتداد الثورة، وتنوعت بين الاعتصام المركزية (اعتصام اللؤلؤة، اعتصامات تقرير المصير، اعتصامات احتلال شارع البديع..) والاعتصام المناطقية التي لم تتوقف.

    •    أعمال رمزية عامة: رفع الأعلام البحرينية، وفي أقسى لحظات القمع والمواجهة مع القوات/ إقامة الصلاة في المساجد المهدّمة / الاستخدام المتواصل لنغمة "تن تن تتن"
    •    ممارسة الضغط على الأفراد: بفضل وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة، كان للمسئولين نصيبا واسعا من النقد والضغط النفسي، حيث كان من السهل البوح بالتوبيخ والملامة ومن غير الخشية الأمنية.

    •    المسرح والموسيقى: لجأ المحتجون إلى إنتاج مواقف مسرحية مصورة، وأغلبها ساخرة، للردّ على إدعاءات النظام، وقد أثرت بشكل واضح في فضح هذه الإدعاءات، كما يوضح الموقف الرسمي والمناصرين له من الإعلام والإخفاق في هذه المعركة / الأناشيد الثورية والموسيقى التعبيرية، وقد برع فيها المحتجون على امتداد الثورة، وأسهمت في ترسيخ الثورة وتأكيد انتشارها الشعبي.

    •    المواكب: لم تتوقف المسيرات على امتداد أيام الثورة وظلت الشوارع حاضرة بالجماهير/ بعض الأعمال الموكبية كانت عبارة عن استعراضات خاصة لبعض المجموعات الثورية، بغرض التأكيد على الحضور في الشارع، أو لأجل تقديم رسائل رمزية ونفسية / مثلت المواكب الدينية والعزائية رسالة ثورية مباشرة في حياة الثورة، وكان التمسك بها أثناء قانون الطوارئ، وما صاحبها من مواجهات، تأكيدا على التواجد النضالي وعدم الاستسلام/ ابتكر البحرينيون قوافل السيارات الاحتجاجات في إطار العودة إلى محيط العاصمة والشوارع الرئيسية، وضمن محاولات الرجوع إلى الدوار. وكانت هذه القوافل ذات رسائل قوية في إبراز التأزم السياسي القائم وفاعلية المبادرة الشعبية.

    •    تكريم الشهداء: وهي وسيلة لم تغب عن المشهد الثوري، فكانت جنائز الشهداء بمثابة الدعوة المتجددة للتواجد الثوري، ومثلت مراسيم (كسار الفواتح) موعدا لإظهار الشجاعة في مقاومة العنف الرسمي/ وقد لجأ المواطنون إلى إقامة تشييع رمزي لبعض الحالات (حال شهيدة السيخ، وحالات الضحايا الذين يموتون تحت تأثير الإصابات).

ثانياً: أ-  أساليب اللا تعاون الاجتماعي:
    •    نبذ الأشخاص: لجأ المحتجون إلى سلوك بعض أشكال المقاطعة الاجتماعية لبعض الرموز الرسمية والشخصيات المهتمة بارتكاب الانتهاكات، وتبع ذلك حجب العواطف الإيجابية عن الشخصيات الإعلامية والصحافية شاركت في الدفاع عن حملات القمع ومؤازة النظام في سياساته المختلفة. إلا أن هذا السلوك لم يخضع للتقنين أو الإدارة التحريمية من الجهات المعتبرة.

    •    اللا تعاون مع المؤسسات: ويمكن الإشارة هنا إلى إضربات الطلاب عن المدارس في أوقات القمع الشديدة، أو حين تكون هناك فعالية احتجاجية قريبة، أو حينما يتعلق الأمر بالاحتفالات الرسمية (احتفالات 16 و17 ديسمبر)/ وكذلك مقاطعة الطلاب للمهرجات الرسمية التي تُقام في المناسبة المذكورة.

ب- أساليب اللا تعاون الاقتصادي:
    •    الإضراب: وقد تم تنفيذه في فبراير ومارس ردا على عنف السلطة، وتعبيرا عن فقدان الأمن والأمل تجاهه. وكان الإضراب مؤثرا، بسبب شموله لمختلف المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع الكبرى، وهو ما استدعى وجود مداخلات متكررة لإيقافه، وهو ما تم بالفعل بعد اشتراط الاتحاد العام لعمال البحرين ضمان سلامة العمال والطلاب.

    •    الإغلاق: ويمثل غلق المرفأ المالي الخطوة التصعيدية الأكثر تأثيرا في أحداث الثورة.
    •    المقاطعة الاقتصادية: وتمثل ذلك بمقاطعة المحلات التابعة لرموز النظام، أو تلك التي أبدت دعما علنيا له ووقفت في وجه المحتجين بشكل سافر وقمعي/ فعالية تصفير البنوك، بسحب الودائع والرواتب من البنوك التي شاركت في استهداف المواطنين/ سياسة التقشف بالامتناع عن ارتدياد المراكز التجارية، وخاصة في بعض المواقف، من قبيل مقاطعة مركز "السيتي سنتر" جزئيا بعد اعتقال النساء وإهانتهن داخل المجمع أثناء فعالية للعودة إلى الدوار.

ج - أساليب اللا تعاون السياسي:
    •    نبذ السلطة: اشتعل ازدراء النظام طوال أيام الثورة، تتابعا مع سقوط الشهداء والضحايا، وجرى تعميم الرفض العام للنظام والدعوة لمقاومته. وصدرت هذه الدعوات بشكل مباشر من الأوساط الثورية، والجماعات التي تتولّى تسيير التظاهرات والاحتجاجات.
    •    امتناع المواطنين عن التعاون مع الحكومة: مثّلت مقاطعة الانتخابات التكميلية، مثل اسنحاب كتلة الوفاق، خطوة هامة على صعيد تفريغ الشرعية الشرعية والشعبية من النظام، وإظهار الرفض الشعبي له/ ومن جهة أخرى، عبّر رفض حلّ النظام لبعض المؤسسات تعبيرا عن الاعتراض السلبي تجاهه ومقاومة قراراته وعدم إتباعها (حل جمعية المعلمين، الموقف من جمعية المحامين، وجمعية الأطباء)/ كان لرفض المساعدات الخاصة بشهر محرم شكلا مباشرا لعدم التعاطي مع رأس النظام، وكانت بمثابة رسالة حية على كشف إزدواجية النظام في الموضوع الديني لجهة هدمه المساجد/ كان لمقاطعة اللجان والجمعيات الحكومية دوره المتواتر في إبراز التحدي، ومثال ذلك كان انسحاب الوفاق من لجنة الحوار الحكومية، وعدم مشاركة المعارضة في لجنة متابعة توصيات لجنة بسيوني.
    •    بدائل الجمهور للطاعة: تمثّل هذا اللون من المقاومة في رفض التفرّق أثناء الاعتصامات والاحتشاد، والإصرار على متابعة الاعتصام مرة بعد أخرى.

ثالثاً: أساليب التدخّل اللا عنيف

التدخل النفسي: وأبرز أمثلته كان في الصيام (الإضراب عن الطعام)، والذي لجأت إليه المعارضة في أوقات مختلفة، مثل فعالية جمعية وعد، وفعالية المتضررين من وزارة التربية/ التحرّش باستخدام العنف، وهي وسيلة جدلية، رأتها بعض المجموعات الثورية وسيلة نفسية رادعة، وكانت تمارس بشكل محدود، بغية التخويف، وليس إيقاع الأذى أو القتل.
    •    التدخل الجسدي: ومن أساليبه كان الاعتصام المتكرر، في مواجهة العنف، واستخدام الغارة العارية اللا عنفية أثناء الاعتصامات والتظاهرات/ الاحتلال اللا عنيف لبعض المواقع أو الشوارع الرئيسية، مثال فعالية "احتلوا شارع البديع"
    •    التدخل الاجتماعي: ومثاله المقاطعة الإعلامية والكلامية/ التعويل على وسائل اتصال وإعلام خاصة وبديلة عن الإعلام الرسمي، كما هو الحال مع الإعلام الإلكتروني مثلا.
    •    التدخل الاقتصادي: وعبرت عنه بوضوح حملات التضامن الاجتماعي عن المفصولين والمتضررين من سياسات النظام.
    •    التدخل السياسي: ومن أمثلته كشف هوية العاملين مع أجهزة الأمن والمجموعات الأمنية المدنية / إظهار الرغبة في السجن وعدم الخشية منه، كما عبر عنه الأفراد الذين اقتحموا الدوار، وكذلك السلوك اللا عنفي للناشطة زينب الخواجة




مرفقات:

  1. الشهيد عبد الرضا بو حميد
     
  2. أنا الشهيد التالي
     
  3. بناخذ فره بالقدو
     
  4. أغنية خليفة شحوال
     
  5. مسيرة الوفاء للشهداء – الدوار
     
  6. الاعتصام أمام مبنى الحكومة
     
  7. اعتصام المرفأ المالي
     
  8. الاعتصام أمام قصر القضيبية
     
  9. السلسلة البشرية من الفاتح إلى الدوار
     
  10. مسيرة الديوان
     
  11. مسيرة قصر الصافرية
     
  12. إغلاق المرفأ المالي
     
  13. اقتحام الدوار ودرع الجزيرة
     
  14. مسيرة شموع
     
  15. التكبير من سطح المنازل
     
  16. تن تن تتن
     
  17. التحشيد للعودة إلى الميدان
     
  18. تقرير المصير 1 – جدحفص
     
  19. انظر تقرير: المقاومة المدنية – مرآة البحرين
     
  20. فعالية شعلة تقرير المصير – عالي
     
  21. طوق الكرامة
     
  22. احتلوا شارع البديع


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus