المعتقلة طيبة درويش.. الطيبة هي كل ما يملكه قلبي لأعطيه الآخرين، لا المتفجرات

المعتقلة طيبة درويش
المعتقلة طيبة درويش

2015-05-22 - 1:23 م

مرآة البحرين (خاص): وجهت إليها تهمة التستّر على مطلوبين، وهي تهمة تلاحق كل من يلقى القبض على شاب مطارد من داخل بيته، ولو كان مستأجِراً، ولو كان صاحب البيت جاهلاً بكونه مطلوباً. لكن الأخطر الذي تواجهه "طيبة درويش" هي اتهامات بنقلها شّبان مطاردين إلى مواقع بغرض تفجيرها!

من يعرف طيبة، يعرف أن اسمها ليس رمزاً تنادى به، بل هو قلبها. الطيبة هي كل ما تملكه "طيبة" لتهبه الآخرين، لا القنابل.

"طيبة في البيت أمها" بهذه الجملة بدأ والد طيبة حديثه عن ابنته المعتقلة. بعد وفاة والدتها في العام الماضي أصبحت طيبة الأم الحنون لجميع أخوتها وأخواتها. أخذت دور أمها في كل شئون المنزل وصارت الملجأ الوحيد لعائلتها في فرحهم وحزنهم، في مرضهم وعافيتهم، بيتها صار العش الذي يدفئ البردان ويطعم الجوعان.

طيبة في بداية العقد الرابع من عمرها. تعيل وحدها أسرتها الصغيرة فزوجها مريض، لديها 3 أبناء: زينب (11 عاماً)، أحمد (10 أعوام)، فاطمة (8 أعوام). ليست لطيبة من عمل غير توصيل عدد من طلاب المدارس بسيارتها الخاصة يومياً. ولأن الدخل شحيح، فقد قررت اقتطاع جزء من بيتها وتأجيره ليسعفها على الحياة القاسية التي تعيشها. ولسوء حظها كان المستأجر هو المطلوب أيوب عادل ورفيقه اللذان اعتقلا لاحقاً من بيتها فجر 14 مايو/ آيار 2015.

يتذكر والد طيبة بأسى كيف ودّعته ابنته الكبرى صباح 14 مايو، عندما أخذها إلى مبنى التحقيقات الجنائية الساعة العاشرة. أصرت طيبة أن تذهب لزيارة قبر والدتها أولاً. تمرّغت عند رأسها وكأنها تودّع حضنها الذي ستغيب عنه طويلاً. بكت كثيراً كمن يذهب إلى مجهول لن يعود منه. لم تنطق طوال الطريق. كانت غارقة في صمت مشحون وعيون ساهمة بعيداً. هل كانت تفكر فيما ينتظرها من كم التهم والقضايا التي ستحاك لها لتنتقم من طيبتها المتهمة؟ هل كانت تفكّر في أن هذا الشارع الذي تمر عليه الآن قد لن تراه بعد ذلك؟ هل كانت تفكّر في أطفالها الصغار الذين لا معيل لهم سواها؟ من أين سيأكلون وكيف سيعيشون ومن سيعتني بهم خلال رحلتها المجهولة؟ من سيبدد عنهم روعهم الذي شهدته على وجوههم فجر ذلك اليوم وهي محاطة بالقوات الأمنية المدججة بالسلاح؟ كانت عيونهم تلمع من الخوف ووجوهم انسحبت إلى لون الكركم. في أي شيء كانت طيبة غارقة بتفكيرها طوال الطريق؟ أوه.. لا ننسى.. لديها أيضاً أطفال آخرون ينتظرونها كل صباح لتأخذهم للمدرسة وترجعهم منها. كانوا أولادها أيضاً. كانت طيبة أماً لجميع من حولها. الناس عرفتها بقلب الأم الذي استقر فيها، ليسع الناس كلها.

وصلت طيبة إلى مبنى التحقيقات. طبعت قبلة على رأس والدها مودّعة " في أمان الله". أحسّ والدها أن ابنته استسلمت للمصير المجهول، لكنه لم يستسلم، جلس ينتظرها لساعات حتى بدأت وشوشات القلب. جاء إليه أحد المسؤولين: "يمكنك المغادرة. سنسمح لها بالاتصال بك". ضرب الوالد كّفاً بكفّ. عرف أن الأمر أكبر من تحقيق، ثمة كبير ينتظر طيبة.

تذكر الوالد منظر ابنته فجر ذلك اليوم، وهي تجلس على قنينة ماء كبيرة خارج منزلها، تغطي جسدها بـ(مشمر صلاة)، محاطة بحشد من القوات الأمنية الخاصة ورجال الأمن. وقوات الأمن تفتّش كل زاوية في المنزل وتخرج بشابين " كانت أسيرة بينهم" هكذا تقول خالتها القلقة.

خلال اقتحام القوات الأمنية لبيت طيبة، شهدت الخالة كيف أخرجت هذه القوات من داخل البيت الكثير من الصناديق مطبوع عليها شعار البحرين. لحظتها لم تستطع "طيبة"، صاحت بدهشة مفجوعة: "هل هذا كله من عندي؟" أجابها أحدهم: "نعم هذا كله من فوق بيتك". جاء ردها كمن أسلم أمره إلى الله: "إن الله فوق".

أهالي الحيّ الذي تسكن فيه طيبة، راحوا يراقبون المشهد من نوافذ بيوتهم المظلمة، العديد منهم شاهدوا كيف قامت القوات الأمنية بإخراج "الصناديق المطبوع عليها شعار البحرين" من سياراتهم، قبل أن يدخلوها بيت طيبة. وصف الجميع ما حدث تلك الليلة بالرعب. طار النوم من عيونهم وقلوبهم حتى الصباح، وصفوا عدد القوات الأمنية بأنها غطت المنطقة بالكامل.

فاطمة ابنة طيبة الصغرى، استيقظت قبل أخوتها بعد أن سمعت أصواتًا غريبة أخافتها. نزلت إلى الطابق الأرضي تبحث عن أمها لتحتمي بها، لكنها تفاجأت بالأعداد الكبيرة من قوات الأمن تحيط بوالدتها. ارتجفت وتسمّرت مكانها مثل جدار. لم تعرف أين تلوي بوجهها.  

زينب ابنة طيبة الكبرى، حكت كيف تفاجأت عندما أوقظتها أمها فجرًا وطلبت منها لبس الحجاب، لكنها لم تكد تتحرك من سريرها حتى تفاجأت بدخول الشرطة وأمروها أن تخرج من الغرفة، وعندما همّت بالخروج والنزول إلى الطابق الأرضي أوقفوها وطلبوا منها انتظار بقية أخوتها. حينها كان أخوها "أحمد" ما زال نائمًا، فأمر الشرطة والدتها حمله، لكنها تعذرت بسبب ثقل جسمه وعدم قدرتها على ذلك فحمله أحد الشرطة وأنزله.

 

أطفال طيبة

وجهت النيابة العامة إلى طيبة تهمة التستر على مطلوبين أمنياً. تم اتهامها مع أيوب عادل وآخرين في قضية باسم «متفجرات المحرق»، وأنها هي من قامت بايصالهما إلى موقع التفجير. أنكرت طيبة جميع التهم المنسوبة إليها ونفت أية معرفة بينها وبين أيوب. وقالت إنها قامت فقط بتأجيره قسم من منزلها بسبب الحاجة المادية كونها المعيل الوحيد لعائلتها.لم تفلح عائلة طيبة في الحصول على إذن لزيارتها حتى الآن، رغم قيامها بجولات بين التحقيقات الجنائية ومركز مدينة عيسى والقلعة والنيابة العامة. تقدمت بطلب الزيارة عبر خطاب كتابي إلى " نيابة الإرهاب" بعدما طلب منها ذلك في النيابة العامة لكنها لم تتلق أي إجابة بعد. وتبقى المكالمات الهاتفية القصيرة جدا هي حلقة الوصل بينهم وبين طيبة. لاحظوا تغيراً غير طبيعي في صوتها في المكالمات الأخيرة، والسبب كما أخبرتهم بأنها علمت بنشر صورتها، والتشهير بها في الصحف المحلية وإن لم يذكر اسمها، فقد انتشر بين الجميع أنها المتهمة الرابعة المعنية في خبر متفجرات المحرق الذي لا علاقة لها به من بعيد أو قريب.صادرت القوات الأمنية "الكمبيوتر المحمول" الخاص بأطفال طيبة، والذي يعتمدون عليه في أداء أنشطتهم المدرسية، كما صادروا سيارة "طيبة" وبعد أن قاموا بتفحصها وحصر الخدوش في جسم السيارات اتهموها بأن هذه الخدوش بسبب هربها من الملاحقة، لكنها أكدت لهم أنه حادث مروري ولديها بالسيارة تقرير يثبت ذلك.لم يكن زوج طيبة موجوداً في المنزل ليلتها. وحين طلبت القوات الأمنية إخراج أطفال طيبة من المنزل في هذا الوقت المتأخر كان بيت خالتها الملاصق لبيتها هو الملجأ الوحيد. قامت الشرطة  بإخراج الأطفال بصحبة والدتهم إلى خارج المنزل حيث بيت خالتهم، لكنهم منعوا "طيبة" من البقاء أو إقامة صلاة الفجر التي قد حان وقتها.زينب شهدت كيف كانت الشرطة تصرخ في وجه أمها عندما طلبوا منها إخراج سيارتها من الكراج، وعندما همَت بذلك صاحوا عليها أن تتوقف! كان يومًا موحشا لم يستطيعوا فيه الذهاب إلى المدرسة. أوصتهم والدتهم أن يحافظوا على بعضهم البعض، فيما استمرت فاطمة في امتناعها عن تناول الطعام في الأيام الأولى لاعتقال والدتها، ولم تقبل عليه إلا بعد سماعها لصوتها عبر الهاتف.  

أطفال طيبة ينتظرون حضن والدتهم الذي ليس لديهم غيره معيلاً وأمناً، ووالد طيبة ينتظر (أم أبيها) بقلبها المتسع للجميع مثل نهر. وطيبة تنتظر مجهولها الذي يضيق بها مثل قبر. فإلى أين مصيرك يا طيبة؟


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus