عذابات مصرفي بحريني، حسين نجادي: من سجون "هندرسون" إلى شواطىء ماليزيا (1)

2013-11-01 - 1:41 م

مرآة البحرين (خاص): "أنا مولود في البحرين من عائلة أصولها فارسية، ابن وحيد وعصامي، بنيت نفسي من لا شيء. أتينا من عائلة جداً فقيرة، الوالد لديه صندقة (دكان صغير) يبيع فيها الخضروات والفواكه في سوق المنامة. كان يأتي بقروش بسيطة تعادل دولارا واحدا في اليوم لكي نعيش" هكذا يعرّف نفسه المصرفي البحريني حسين نجادي الذي اغتيل في حادث غامض في 29 يوليو 2013 في ماليزيا عن عمر يناهز الـ75 عاماً.

في ستينات القرن الماضي تم نفيه مع مجموعات شبابية لأسباب سياسية بعد سجنه عدداً من المرات، يقول في فيلم حول حياته بثته قناة (الجزيرة الوثائقية) في أبريل 2012: "في الثانوية تأثرنا كثيراً بالحراك السياسي، تأثرنا بثورة الجزائر، أسسنا أول حركة سرية باسم جبهة التحرير الوطنية لمقاومة الاستعمار البريطاني. كنا شباباً صغارا تتراوح أعمارنا بين 16و22 سنة. تم نفينا من قبل المستعمر البريطاني. البعض اختار الذهاب إلى بيروت والبعض إلى مصر، وأنا اخترت ألمانيا".

في ألمانيا واصل نجادي دراسته في معهد (شتوتغارت) للمصارف والاستثمار، وتأثر كثيراً بنظرية (خلق المال وراء المال)، تعلمها من صديقه الألماني (هانس) ابن العائلة التي سكن عندها في المنفى. تمكن نجادي من لفت الأنظار سريعاً إلى مهاراته الفكرية والشخصية، يصفه القريبون أنه "يمتلك عقلاً بارعاً يستطيع تحويل كل شيء إلى مشروع استثماري ناجح"، ويفتخر هو أمام أقربائه والأصدقاء: "استطيع أن أستخرج المال حتى من الصخر".

وجد في إحدى الصحف إعلاناً لعمل في مؤسسة مصرفية في سويسرا تشترط الإلمام باللغتين العربية والانجليزية، تقدّم لها وتم قبوله فوراً، وهناك كانت أول مغامراته المدروسة، يقول نجاد «المؤسسة المصرفية التي عملت بها في سويسرا، كانت تمتلك شركة تقنية عالية جدّاً للبواخر المجنحة، والتي كانت مهددة بالإفلاس، وقمت حينها بدراسة ملف الشركة، وطلبت من مديري أن يبيعني الشركة، على أن أستقيل من عملي في المصرف، وبالفعل وافق مديري على بيعها لي بمبلغ نصف مليون فرنك سويسري، وهو مبلغ كبير جدّاً في فترة الستينات». يتابع «تسلمت الشركة وذهبت إلى اليابان في العام 1968، وخلال خمسة أعوام، وزعت الشركة 220 باخرة مجنحة على أنحاء العالم، ونقلت بعدها موقعي إلى سنغافورة، وأدرت شركة البواخر في جميع أنحاء العالم من هناك، ثم جاءني عرض لشراء الشركة من قبل شركة يابانية، وسلمت الشركة كاملة إلى اليابانيين التي أصبحت فيما بعد جزءاً من إمبراطورية شركة هيتاشي».

في 1973، ذهب نجادي إلى الكويت والتقى بوزير المالية والبترول حينها الشيخ جابر الأحمد، كان صديقاً مقرباً له. هناك تبلورت لديه فكرة إنشاء مؤسسة مصرفية عربية ماليزية، وبالتعاون مع الحكومة الماليزية البنك العربي الماليزي تم إنشاء هذه المؤسسة لتكون أول جسر مالي اقتصادي بين ماليزيا ودول الخليج. وكان حينها المصرف التجاري رقم 12 في ماليزيا، وفي غضون عام واحد فقط، كسب (نجادي) التحدي وصارالمصرف التجاري رقم 12 في ماليزيا المصرف هو الأول في جنوب شرق آسيا.

بعد استقلال البحرين، كان (نجادي) قد حقّق سمعة مهنية عالية وصار خبيراً اقتصادياً معروفاً. الحنين إلى أرض الوطن جعله يقرر العودة والاستقرار في البحرين مع مزاولة عمله كرئيس تنفيذي للمصرف العربي الماليزي. وقبل عودته أجرى عدة اتصالات مع شخصيات اقتصادية. كان يتنقل في عمله بين كل من ماليزيا وهونغ كونغ وسنغافورة والهند والكويت والاردن. 

في 1982 عاد نجاد إلى البحرين. لمدة 3 أعوام ظل يمارس عمله المصرفي دون عوائق أو مشاكل، لم يكن يعرف أنه سيعيش بعدها قضية مع أحد أفراد العائلة الحاكمة، وستكلّفه 7 سنوات من السجن انتقاماً، وسيكون عليه أن يقدّم تنازلا عن نصيبه من البنك لينال حريته. منذ 22نيسان/ أبريل 1985، وحتى 5 كانون الثاني/ يناير 1986، بقى نجادي محتجزاً في مكتب صغير في القلعة. بعدها، نُقِل َ إلى السجن مع أشخاص آخرين.

ظل نجادي محبوساً حتى حزيران/ يونيو 1992، عندما حكمت المحكمة العليا ضد إرادة الحكومة البحرينية، وأعلنت براءة نجادي من كل التهم المُلَفّقة ضده.

خرج نجادي من السجن، لكن ليس إلى الحرية، بل إلى مراقبة مستمرة علنية ليل نهار، بقى كذلك لسنوات قبل أن يفك عنه حصار المراقبة تدريجياً، لكن ليس حصار الحركة والسفر، إذ بقى جواز سفره في قبضة السلطة. في العام 2000 تمكن نجادي من الهرب فاراً بجلده بلا جواز سفر، وبقى حتى وفاته دون أن يستعيده، لكنه كان يتأمل العودة دائماً لوطنه. كان ذلك الهروب هو خروجه الأخير من البحرين.

مادياً، سيبدأ نجادي من الصفر مرة ثانية، لكن ليس مهنياً، فمكانته المعروفة التي بناها في السابق ستعينه في العمل مستشاراً في العديد من الشركات، وليصبح أحد قيادات القطاع المصرفي في ماليزيا التي يستقر بها بشكل نهائي حتى وفاته.

(نجادي) كتب قصة حياته ونشرها عام 2012 في كتاب أسماه «البحر والتلال» The Sea and the Hills، وأسمى الباب الخاص بسرد تجربة هروبه الأخير فاراً بحياته وعذاباته بعد تجربته المريرة: «وداعاً جزيرة الشيطان». 

«مرآة البحرين» قامت بترجمة الجزء الذي تناول فيه (نجادي) تفاصيل (القضية) التي أدت إلى سجنه ومحاصرته قبل هروبه (من الفصل 17 حتى20)، وذلك لما أثير حولها من أقاويل كثيرة ومتباينة. آثرنا أن ننقلها كما وثّقها صاحبها للتاريخ. بطل هذه (القضية) هو الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وزير الداخلية حينها، وبطلها الآخر هو إيان هندرسون. لم يشأ (نجادي) أن يضع اسم الأول واستعاض عنه باسم مستعار (الشيخ طحنون)، ربما لأسباب أمنية، لكننا رأينا أن نثبت الاسم الحقيقي، فما بعد 14 فبراير، ليس كما قبله، وقضية (نجادي) مع وزير الداخلية السابق، لم تكن سراً. 

نضع هذا الجزء المترجم في حلقات، إليكم الحلقة الأولى، وفيها يتحدث نجادي عن تفاصيل القصة الكاملة وراء سجنه لمدة سبع سنوات ونصف في السجون البحرينية.

وقوع الكارثة... سبع سنوات في السجن

قبل البدء بسرد سنتي الكارثية لكم في العام 1985، دعوني أطلعكم على بعض المعلومات الأساسية. في العام 1982 قررت أن أخرج من الساحة المصرفية الماليزية وبعت جميع أسهمي في المصرف العربي الماليزي إلى (عزمان هاشم) الذي كان آنذاك المدير التنفيذي للأعمال المصرفية الماليزية لأنني شعرت أنني مقيّد بالعمل ضمن المعايير التنظيمية في ماليزيا.

الجدير ذكره أنه لم يكن مسموحاً للبنوك التجارية في البلد أن تقترض بالدولار الأمريكي، لذا لم يكن بمقدورها أن تمّول خزائنها بالعملة العالمية، ولذا أيضاً أنشأنا منذ البداية فرعاً للبنك العربي الماليزي في البحرين. عمل هذا الفرع كمصرف حر جامعاً بالدولار الودائع التي يمكن أن تتحول إلى استثمارات أو مشاريع لزبائن البنك العربي من كل مكان.

قررت بذل مجهودي في هذا المصرف، كان لديه قدرة أكبر على إقراض وتمويل المشاريع ليس فقط في ماليزيا بل في المنطقة أيضاً، فدول مثل الصين والفيليبين كانت تبحث عن مورد مالي وأصبحت أول زبائننا. بعدها ونتيجةً للتغيرات في الأنظمة المحلية، توّجب إدراج جميع البنوك الأجنبية في البحرين كبنوك محلية، فكنا أول بنك آسيوي يفتتح فرعاً حراً في مركز الإقتصاد الناشئ في البحرين، وأُطلق عليه لاحقاً اسم البنك العربي الآسيوي. كان ذلك مناسباً لنا حيث أننا كنا نقرض مجموعة أكبر من الزبائن في آسيا، الأمر الذي يتباين مع سياستنا مع الزبائن الماليزيين. أصبحتُ رئيس مجلس إدارة المصرف في البحرين.

 في العام 1983، قمنا أيضاً بشراء "يونايتد سيتي ميرشانت" (يو سي أم تي UCMT)، وهي شركة مُدرَجة كشركة عامة في لندن. كنا بحاجة لترخيص للإيداعات لدينا في لندن، تمكننا الحصول على رؤوس أموال أكثر، ونصحنا البعض بشراء شركة تجارية مساهمة قديمة ذات ترخيص فرعي.

كان شراء هذه الشركة في مصلحتنا إذ كانت تملك شركة فرعية صغيرة جداً إسمها "سي أي كوتس CE Coates" وهي شركة مرخص لها بتلقي الودائع. وهكذا بامتلاكنا لها، نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد– أي غَنِمنا في لندن شركة، تجارية من جهة، ومُرَخّصة لتلقي الودائع من جهة أخرى. كان يجب بالطبع أخذ الموافقة من بنك انجلترا، وعندما قمنا بالإجراءات اللازمة، أصبحنا مالكي يو سي أم تي (UCMT) الجدد بعد أن تسلّمناها من عائلة "سوسنوف" الروسية اليهودية التي كانت تتلقى المساعدة من عائلة روتشيلد العظيمة.

وكجزء من توسعنا العالمي، ذهبنا إلى هيئة النقد في هونغ كونغ للحصول على رخصة لإنشاء شركة لتلقي الودائع أسميناها الشركة العربية الآسيوية العالمية في هونغ كونغ.

مع كل هذه الممتلكات والتوسعات، وجدت نفسي مسافراً بانتظام بين ماليزيا وهونغ كونغ وسنغافورة والبحرين ولندن وجنيفا للقيام بمهمات عدة، وكنت أطّور البنك العربي الماليزي الناشئ أو أحضر مؤتمرات عالمية وأتلقى عدداً من الدعوات لإلقاء محاضرات في المؤسسات، على الرغم من كونها غير مدفوعة الأجر، وأصبحت مستشاراً مقرّباً من نخبة من الشخصيات الحاكمة والسياسيين في المنطقة. كنت أتقدم بسرعة بالفعل، وربما بسرعة قصوى لأن الحكومة البحرينية لم تستطع أن تقدّم المساعدة، بل سرعان ما لاحظت أن هذا الشاب الفقير من البازار قد أصبح شخصية عالمية لدرجة أنه أزعج المسؤولين في الدولة ولا بد من أن تسميتي بـ"هنري كيسينجر العرب" قد استفزتهم.

في أحد أيام شهر كانون الثاني/ يناير سنة 1985، تلقيت اتصالاً من رئيس المخابرات سيء السمعة الشاب الاسكتلندي "إيان هندرسون". كان يثني عليّ قائلاً:" حسين، من المدهش أن تعود للبحرين مجدداً". أضاف "الجميع يتحدث عنك. لقد أصبحت بطلاً محلياً، ولم تسنح لي فرصة اللقاء بك حتى الآن. كنت أتساءل إن كان بإمكانك المرور بمكتبي لإجراء محادثة سريعة. أعلم أنك مشغول جداً، لذلك لن آخذ من وقتك إلا خمس دقائق. ما رأيك؟" 

بعد مكالمة رئيس المخابرات الأولى، تلقيت مكالمة أخرى من المخابرات الحربية البريطانية (المكتب الخامس) للحصول على موعد. ورغم ثناء المتصل عليّ، شككت بحسن نيته. وفي الوقت عينه، شعرت أنني مجبر على القبول فلم يسبق لأحد أن رفض طلباً لإيان هندرسون أو أزعجه، قلت له: " طبعاً إيان، أخبرني فقط متى وأين"

حدد هندرسون موعداً في صباح اليوم التالي في الساعة العاشرة، فذهبت في الوقت المحدد إلى القلعة القديمة حيث احتُجِزت عدة مرات في شبابي وحيث أصبحت أزور لاحقاً الوزير المشهور الشيخ طحنون (يقصد الشيخ محمد آل خليفة وزير الداخلية حينها/ المترجم). كنت على موعدٍ مع اليد الخفية التي تحكم البحرين، الشخص الذي يسميه القوميون "الجزّار". في عهده، أَسِر عدد من الشباب البحرينيين الثائرين وعُذِّبوا وماتوا في سجنه. لا يمكن العبث مع شخص كهذا.

رحّب هندرسون بي بطريقة ودية وقال مادّاً يده "حسين! وأخيراً تمكنت من مقابلتك فقد سمعت الكثير عنك، وبالحقيقة كنت أتابع تطور رحلتك المهنية الرائعة مذ كنت شاباً يافعاً في المنامة" وأضاف " أنت مصدر إلهام للعديد من شباب البحرين، ونحن فخورون جداً بك"

رددت "شكراً للطفك." وكنت أفكر إلى أين ستودي بي هذه المحادثة. وتابع كلامه " لقد حققت الكثير يا حسين والأهم من ذلك أنك فعلت كل ذلك بنفسك – أنت رجل صنع نفسه بنفسه- والبحرين بحاجة إلى أشخاص مثلك"  

أجبته " حسناً! أنا هنا الآن. ومستقر في البحرين منذ ثلاث سنوات"

هندرسون: "أعلم. ونحن فرحون أنك استقريت هنا، ففي السنوات الثلاثة الأخيرة كنت تظهر في الصحف بانتظام، وتعقد صفقات وتناقش عروضاً، وتمثل البحرين في المؤتمرات العالمية... هذا رائع يا حسين. بالحقيقة، لقد أثرت إعجابنا. وأريد أن أرشحك لمنصب وزير مالية البحرين" قالها وصمت، منتظراً ردة فعلي، ثم أكمل:" هل ترغب في قبول منصب كهذا؟"

فهمست:" هذا مفاجئ جداً، لا أدري ماذا أقول، فقد اعترتني دهشة حقيقية واستسلم جزء صغير مني لإغراء المنصب الرفيع، ولكن لا بد لي من الاعتراف أن بقية أجزائي رفضت الأمر"

أضاف هندرسون: "إذا وافقت، سأذهب رأساً إلى مكتب (رئيس الوزراء)، وأطلعه على الأخبار السّارة. لقد ناقشنا هذا الموضوع مسبقاً، وكلانا يعتقد أنك، مع خبرتك في البنوك الدولية والشؤون المالية، الشخص الأنسب لهذا المنصب".

استطعت أخيراً القول: " صدقني يا إيان أنا أحب أن أساهم في تقدم بلدي. لكنني أشعر أنني أقوم بأفضل ما يمكنني فعله من خلال الأعمال المصرفية والإستشارية التي أنا مرتبط بها. لا يمكنني قبول هذا العرض فلدي أعمال في لندن وجينيفا ودافوس وفونتينبلو والبحرين وماليزيا وهونغ كونغ والفيليبين. ولديّ العديد من الإلتزامات أيضاً، وقد طلبت مني اللجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخراً إلقاء محاضرة في العاصمة واشنطن لمناقشة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط". وقلت من دون تفكير: " أنت تعلم يا إيان أن حكومة آل خليفة كلها فاسدة، من رأس الهرم وحتى أسفله".

وأيقنت، لحظة تفوّهي بهذه الكلمات: بأنّي اقترفت خطئاً فظيعاً، إذ سرعان ما تبدّل الجو الودّي في الغرفة، حتى إني شعرت بالرعب واقشعر بدني. نظر إليّ هندرسون بعينيه الزرقاوتين الثاقبتين وقال ببرودة متعمدة "حسين! بوسعي نسف كل إنجازاتك وتحويلها إلى رماد. صدِّقني. أستطيع فعل ذلك. لقد نسيتَ أصلك تماماً".

 شعرت بالقلق. فقد ظهر تهديد حقيقي على جميع قسماته -في شكله وصوته وجسده ونظراته إليّ- وقلت في نفسي كيف أنضم إلى حكومة تخيّرني بين الإنصياع لأوامرها أو السعي بي إلى حتفي؟ كيف أكرّس فكري وإحساسي بالانتماء في خدمة من يهدد بقلب حياتي العملية رأساً على عقب؟  لم تكن تلك دعوة، بل تهديداً صارخاً.

حين رأى هندرسون أني لم أكن بصدد تغيير رأيي، وقف وقال " شكراً حسين. أعتقد أن مقابلتنا انتهت، بوسعك الإنصراف الآن".

لم أدرك الأمر في ذلك الوقت، ولكن لا شك في أن المقابلة تم تسجيلها. لقد مهّدتُ للكارثة التي كانت على وشك أن تقع. خرجت مسرعاً من القلعة، ركبت سيارتي وذهبت مباشرة إلى مكتبي في البنك العربي الآسيوي. لقد أرعبتني هذه المقابلة التي لم تكن إلا نذير خطر. ولا بد لي من القول إنني لم أكن قد ابتُليت باللقاء بالسيد هندرسون مسبقاً لكنني استطعت أن أفهم لم يلقبه بعض الناس سيد التعذيب والجزّار. لَم يؤذني جسدياً.... بعد... لكنّه بدّد آمالي براحة البال في وطني.

حين أفكر بأنه أضمر ولو حتى أملاً بسيطاً في أن أوافق على أن أصبح جزءاً من النظام الإستبدادي الفاسد الذي لم يسجنني أنا وحدي، بل العديد من نخبة أبناء وبنات البحرين أيضاً! وعلى الرغم من أن مقابلتي مع هندرسون زلزلت كياني، إلا أنني لم أُطلِع أحداً عليها سوى أفراد عائلتي المقربين مؤكداًعليهم عدم البوح بكلمة لأحد.

مضت أربعة أشهر دون أي مضاعفات خطيرة، ولم أتلقَّ أي مكالمة من هندرسون أو من أيّ من أصحاب المناصب المرموقة في الدولة. كان الهدوء مخادعاً. وتبين فيما بعد أنه هدوء ما قبل العاصفة. 

في شهر نيسان/ أبريل عام 1985، وفي خلال الاجتماع الشهري لمجلس إدارة البنك العربي الآسيوي، والذي يحضره جميع المساهمين، تم تداول المشكلة الطويلة الأمد - بخصوص القرض الذي أعطيناه لسمو الشيخ طحنون - وهو يُعتَبَر أوّل قرض يمنحه البنك العربي الآسيوي في العام 1976 لبناء برج دبلوماسي يضم أعلى مبنى (فيه مساكن ومكاتب) في المنطقة الديبلوماسية بعد برج البحرين (يقصد برج الدبلومات المشيد حالياً في المنطقة الدوبلوماسية/ المترجم). بلغت قيمة القرض 20 مليون ديناراً بحرينياً أي ما يعادل حوالى 55 مليون دولار أمريكي.

 وافق المجلس على إعطاء القرض لأنني طلبت منه ذلك، واعتقدنا أن من شأن هذا القرض أن يقوّي علاقتنا بالعائلة الحاكمة ويحسّن موقفنا معهم تماماً كما حصل مع شركة (انتريت INTEREIT) والشيخ جابر. الفرق فقط أن الشيخ جابر كان مستثمراً، أما الشيخ طحنون فكان مجرد دائن يتوسلنا.

لم نرد الخوض في السجلات السوداء للعائلة الحاكمة في البحرين، لذلك، وعلى مدة تسع سنوات، أرسلنا لهم فقط مبعوثِين لتذكيرهم بوجوب دفع فائدة القرض أو إعادة رأس المال. وكانت النتيجة أننا لم نتلقّ أي مبلغ. ولم يكن للمصرف أي طريق واضح للنجاة بما أنه لم يضع قواعد صارمة فيما يخص عدم دفع القروض.

ولأن قيمة الفوائد في مصرفنا كانت أعلى بـ 2% من قيمة الفوائد المعروضة في بنك لندن والتي تبلغ 18%، أي أنها 20%. وفي حالة قرض غير مدفوع الفوائد لمدة 9 سنوات، كانت الفائدة تبلغ 200% من رأس المال. وفي حالة قرض الشيخ طحنون، ارتفعت لتصبح حوالي 40 مليون دينار أي ما يعادل تقريباً 10 مليون دولار أمريكي. وسَألَنا محاسِبُنا لأول مرة عن كيفية التصرف في هذا القرض. فقد ظن المحاسب أنه آن الآوان للتحفظ على الحساب. 

قال "علينا إما شطب القرض أو ممارسة حقنا في رهن المبنى أو بيعه بالمزاد العلني بطريقة قانونية لسد القرض".

قال مدير المصرف العام المصري كريم:"شطب القرض ليس خياراً، سيؤدي هذا إلى خسارة  كل رأسمالنا."

سألته : "ما هو اقتراحك؟"

قال المحاسب كريشنان، من شركة برايس ووترهاوس PwC في البحرين: "لا خيار أمامنا، فقد مضت تسع سنوات على هذا القرض، وإن استمرينا بالعمل بهذا الحذر، سيستمر الحال لتسع سنوات أخرى، وسنفقد مصداقيتنا. الناس مندهشون من عدم قدرتنا على استرداد القرض".

 قال كريم: "اقترح كريم كتابة رسالة نطلب فيها الاختيار بين تسديد القرض أو اللجوء إلى المزاد العلني" فسأله عمر، وهو أحد المساهمين: "وما الذي يضمن أن الشيخ طحنون سيستجيب لطلبنا ؟ فالشيخ لم يُبدِ أي إستجابة حتى الآن. ما الذي سيتغير؟"

قال كريم: "هذه المرة سيوصل أحدنا الرسالة شخصياً"  

فتساءل عمر" من سيوصلها؟ من سيقبل بالذهاب إلى الشيخ طحنون كما يذهب خروف للذبح؟"

استدار كريم إليّ وقال:" حسين! ما رأيك أن تسلمه الرسالة بما أنك أول من أوصى بإعطائه القرض؟".

 

- كيف سيكون لقاء نجادي مع الشيخ محمد آل خليفة وزير الداخلية حينها؟ وما هي التطورات التي ستحدث بعد تسليمه الرسالة؟ في الحلقة القادمة.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus