مرآة البحرين (خاص): يخرج أحمد إسماعيل دون أن يمنعه الخوف من الموت أو الإصابة أو الاعتقال، بصحبته كاميرا التصوير. هو "مواطن صحافي Citizen Journalist"، فنان، مصور، يعمل متطوعا لأجل قضية آمن بها، دون أي حماية مؤسسية، ودون انتظار أي مردود، سوى المخاطر.
يلتقط إسماعيل للعالم والتاريخ ماذا يصنع النظام بهذا الشعب الأعزل، صور أحمد وتسجيلاته ترفع لكل العالم، قد لا تستقبلها وكالات الأنباء الدولية ولا أشهر الصحف والمحطات، لكنه كالمئات من المتطوعين، لن ييأس من نقل الحقيقة.
وحدهم "المواطنون الصحفيون" من نقلوا أخبار ثورة 14 فبراير للعالم، عبر "تويتر" و"فيسبوك"، بعد أن تجاهلتهم مختلف وسائل الإعلام العربية والدولية، تحت ضغوط المصالح السياسية للدول الكبرى.
من هواية عائلية إلى واجب وطنيطفولة الصحفي الشهيد كانت مليئة بالحركة والاكتشاف والاختراع، كان يحب تركيب الأشياء وإنتاج الجديد منها، كان طفلا يعيش في عالم من الهندسة، يفكك ألعابه ويأخذ محركاتها ويركبها في شي آخر وهكذا.
هواية رئيسية تميز عائلة أحمد، وهي حب التصوير. بدءا من جد أحمد، من ثم أبيه وأعمامه، ومن ثم هو وأخوته وأبناء عمومته (الأولاد والبنات) وأبنائهم الصغار أيضا.
أحد أعمامه هو المصور والمصمم البحريني المعروف موسى حسن موسى، وهو يعمل في وزارة الثقافة وقد أخرج عدة مطبوعات ولا زال المسئول عن إخراج وتصميم مجلة "البحرين الثقافية" التي تصدر عن الوزارة.
لا زالت العائلة تحتفظ بكاميرات قديمة جدا، ولديها أرشيف للكثير من الصور التي التقطها أفراد من العائلة على مر الزمن، بعض هذه الصور اعتبرت "تراثية" وتبرعت بها العائلة لمتحف البحرين الوطني وهي معروضة هناك.
تعلم أحمد التصوير منذ نعومة أظافره. أحب الكاميرا، كان أول من يصور أي مولود جديد في العائلة، كان يحب تصوير أنامل حديثي الولادة، روح كاميرته متعلقة بالحياة، لا الموت. صوره وصلت سباق الفورمولا، لتظل وصمة عار على جبين النظام الذي قتله، خصوصا أنه عمل أيضا كمرشد متطوع في الحلبة، في سنتها الأولى.
منذ اليوم الأول لثورة 14 فبراير، صار لكاميرا أحمد مهمة مختلفة جدا، وسيكون لها تأثير وحضور آخر، سيتحول التصوير في حياة إسماعيل إلى واجب وطني!
مصوّر ثورة معتمدبدأ أحمد عمله التطوعي كمصور وموثق مع بداية ثورة 14 فبراير/شباط 2011م، انطلق من مجمع السلمانيه الطبي، لم يكن ينام بسبب خوفه من أن يفوته شيء ما، خلال توثيق الأحداث، تتبدل نوبات الأطباء ويظل أحمد هناك، لا يكل ولا يمل، يساعد في نقل الجرحى يأخذ أسماءهم، يصورهم ويوثق قصصهم.
بعد هجوم القوات على مستشفى السلمانية، انتقل أحمد كي يكون أول صحفي في منطقة سلماباد (جنوب غرب العاصمة)، كان يغطي أحداثها بشكل يومي، وكان هناك من يساعده في رفع الفيديوهات على اليوتيوب، ومونتاجها.
كذلك كان يقوم بتصوير المسيرات التي تنظمها جمعيات المعارضة، وكان أيضا يغطي مهرجانات تقرير المصير التي ينظمها ائتلاف 14 فبراير، حضر إسماعيل بقوة في مناطق بني جمرة، وعالي، والنويدرات.
جهود إسماعيل وجديته واستعداده للتضحية والمخاطرة، جعلت منه أحد أهم مصوري الثورة في البحرين، احتاج لخدماته وعونه مركز البحرين لحقوق الإنسان والذي يرأسه الحقوقي نبيل رجب، فصار عضوا فيه، وكان يحضر اجتماعاته.
كان يزود المركز بالمعلومات وتفاصيل الأحداث اليومية وكان خير معين في تقديم الأدلة إلى لجنة تقصي الحقائق التي أمر الملك بتشكيلها برئاسة البروفيسور بسيوني، كما أنه رفد أيضاً لجنة رصد الانتهاكات التي شكلتها الجمعيات السياسية.
كان إسماعيل يعمل بسرية، معظم أهله لم يكونوا على علم بما يفعل، وحتى أمه. صار عمل أحمد أكثر تنظيما، وتطور كثيرا، ومن أجله دخل عدة دورات سرية متخصصة في التصوير الاحترافي.
المخابرات أرادت تجنيدهمنذ كان فتى يافعا، تعرض أحمد لمشاكل أمنية كبيرة حالت دون إكماله دراسته (في المدرسة الثانوية) وحطمت مستقبله وأحلامه: استدعته أجهزة المخابرات ليعمل لديها.
كانت بيئة سكنه القديمة هي السبب، وكان عقاب رفضه هو سجنه 3 مرات بتهم ملفقة. منذ كان في مرحلة الدراسة الإعدادية كان يهدد: إما أن تكون مخابرا أو تموت، ولهذا السبب انتقل أهله من منطقة مدينة حمد إلى سلماباد في 2009.
فشلت المخابرات في تجنيده، ونجحت الثورة في تتويجه عيناً لها. في الأولى سيكون هناك أجر ثمين وحماية، وفي الثانية لن يكون هناك سوى الخطر والموت، لكنه سيكون موتا بكرامة.
كان إسماعيل أحد قادة التخطيط والعمليات في قريته الجديدة "سلماباد"، كان دائما على سطوح البنايات، يراقب الطرقات أثناء تنفيذ العمليات، ويصور!
في إحدى المرات، اقتحمت قوات الأمن بناية اختبأ فيها المتظاهرون، واستطاعت الوصول إليهم فوق سطح البناية، لتنهال عليهم بالضرب والتنكيل وتسقط أحدهم من أعلى البناية إلى الأرض، أحمد كان في بناية مقابلة يصور، أحدهم اكتشف أمره وأطلق عليه!
أصدقاء أحمد اعتقلوا، كان يلجأ لتخبئة كاميرته في أي مكان في الشارع كلما حمى الوطيس، في حين يخوض هو مغامرته الخاصة بالقفز على سطوح البنايات، للفرار من سطوة المرتزقة، الذين طالما لاحقوه.
شهر سبتمبر/أيلول 2011، صور أحمد قوات الأمن وهي تقتحم "سلماباد". القوات شكت في أن أحدا ما يصور، وسلطت ضوءا نحوه، لكنهم استداروا وأطلقوا عدة قذائف في الاتجاه المعاكس، بعد أن شغلهم بعض المتظاهرين.
في 9 مارس/آذار 2012، يوم المسيرة الجماهيرة التاريخية، ألقي القبض على أحمد، اجتمع عليه عدد من أجياب المرتزقة، وتم ضربه واعتقاله، دون أية أسباب. بعد ساعات أفرج عنه، وفي طريقه للخروج من المركز، هدده أحد الضباط: "صايدينك صايدينك" رجع إسماعيل إلى المنزل، دقائق وخرج مرة أخرى كي يكمل تغطيته الصحفية.
في 19 مارس/آذار 2012، أحد المخبرين التقى أحمد عند منزله، هدده بأنه سيبلغ عنه في مركز الشرطة أنه يصور المظاهرات والمواجهات الأمنية، كان رد أحمد صارما جدا هذه المرة "هل تستطيع الإمساك بالماء؟ أنا كالماء، أنا زئبق، لن تستطيعوا الإمساك بي"
على وضع التشغيل دائمافي 4 مارس/آذار 2011، صور إسماعيل مسيرة نسائية ضخمة متجهة إلى دوار اللؤلؤة، مركز الاحتجاجات التاريخية. كانت تلك فترة المسيرات السلمية الهادئة في الدوار. بعد أيام ستبدأ كاميرا إسماعيل توثق الأحداث المأساوية التي أعقبت دخول قوات درع الجزيرة إلى البلاد.
في 14 مارس/آذار 2011، رفع أحمد على يوتيوب فيديو لمتظاهر مصاب يتحدث أثناء تلقيه العلاج في مجمع السلمانية الطبي. ثم تتابعت الفيديوهات التي صورها أحمد لتكون من أوائل الأدلة على حملة القمع الوحشية التي شنها النظام على المتظاهرين وقراهم.
"هل الكاميرا جاهزة، الزووم يعمل؟" يسأله صاحبه، يجيب أحمد "كل شيء يعمل" أغلب عمله كان في الليل، وهو الوقت النموذجي لغارات الشرطة، وانتهاكاتها. على هذا النحو، وكما يصف موقع EA World News كان أحمد في معركة مستمرة مع الضوء والتركيز للحصول على صور جيدة.
كانت كاميرا إسماعيل ومنذ عام تراقب على وجه الخصوص "البلطجية"، ترصد كل تحركاتهم بدقة، وتفضح كل سلوك الميليشيات التي استخدمتها السلطة لتنفض الحشود عن دوار اللؤلؤة قبل أن تنقض هي على من بقي فيه مرابطا في 16 مارس/آذار 2011.
إلى جانب شجاعته، قام أحمد بتصوير بعض المشاهد الساخرة لقوات الأمن. أحد تلك المشاهد هي ملاحقتهم لمصدر النغمة الشهيرة "تن تن تتن" والتي تعني "يسقط حمد"، كلما زادت الطلقات على السطوح والأحياء، ارتفع صوت الأبواق والطرق على الأعمدة، كانت كاميرا إسماعيل تلتقط كل ذلك.
وثق أحمد أيضا الأسلحة المستخدمة من قبل النظام، فقد أظهر في أحد الفيديوهات أنواعا مختلفة من قنابل الغاز المسيل للدموع جمعت في قرية سلماباد بعد وقوع عدة هجمات.
حتى لو كانت التكلفة حياتهمنذ فترة طويلة والنظام حريص على وقف أعمال أشخاص مثل أحمد من خلال التخويف والتهديد والاعتقال وغيرها من الأساليب البوليسية. في شهر مارس/آذار 2012، وكما يروي موقع EA World News الإخباري، مشّط رجال الشرطة قرية الدير منزلا منزلا لرصد جميع المواقع المحتملة للتصوير!
أن تكون مصور ثورة منسية، مضى عليها أكثر من عام، وراح ضحيتها الآلاف بين معتقل ومعذب وشهيد، فهذا يعني أنك يجب أن تستعد لتكون مضحيا في أي وقت. هكذا كان إسماعيل، كلما قال له أبوه لا تخرج في المظاهرات، كان يقول: هل هؤلاء الذين يضحون من أجل الحرية أفضل مني؟!
آخر كتاب قرأه الشاب الشهيد هو "الرحلة إلى العالم الآخر"، هل كان يتهيأ لرحلته؟ وهل كان يهيئ أصدقاءه لحمله لهذه الرحلة؟ كان لدى أحمد صديق "كيني، اتصل به قبل أسبوع من استشهاده، وقال له "إذا اتصل بك أهلي وطلبوا منك أن تأتي، فتعال بسرعة، لا تتأخر، أريدك أن تحمل نعشي"!
أحمد حذر، لكنه مستمر دون انقطاع في توثيق المعارك والمواجهات وحملات القمع التي تشنها قوات الأمن والجيش ضد المحتجين على مدى العام الماضي، ليس لأجل أن تصل المعلومات الضرورية محليا وعالميا، ولكن لأنه شاب موهوب يحرص على حفظ سجل للثورة، مهما كانت التكاليف.
تعبر مواقع صحفية عن مقتل إسماعيل: إنها لمأساة كبيرة أن التكلفة كانت حياته، لا سيما أن عمله في الكشف عن الحقيقة كان الدافع وراء مقتله.
دم الكاميرا: الموقف الأخيرفي 29 مارس/آذار 2012، نزل أحمد ليصور على الأرض لأول مرة، لم يكن يصور أو يعمل إلا من فوق سطوح البنايات. استغرب رفاقه من نزوله كثيرا. وبينما كان يمسك بكاميرته، ويمازح الجميع، ظهرت سيارة "لاند كروزر" مدنية وأطلق رجل من داخلها خمس أو ست رصاصات حية، في ظل تواجد سيارات الأمن العسكرية.
اضطر المتظاهرون إلى التراجع داخل القرية بجانب المقبرة. كان أحمد واقفا في ساحة بالقرب من الطريق الرئيسي. وكانت "اللاند كروزر" تصوب أشعة ليزر خضراء على الشباب. وفي حوالي الساعة 12:30 بعد منتصف الليل، قرر المتظاهرون العودة إلى القرية، وبينما كانوا يغادرون قام رجل في "اللاند كروزر" بإطلاق النار مجددا، وصوب ضوءه الأخضر تجاه أحمد إسماعيل ليصيبه برصاصة أسفل البطن.
صبغت دماء إسماعيل شوارع سلماباد، ولأن المستشفى الحكومي محتل ومحاصر من قبل قوى الأمن والمخابرات، نقل إلى مستشفى خاص، وفي كل الأحوال لم يحصل على العلاج في الوقت المناسب.
هناك كان له موقف أخير مع عناصر المخابرات، وموقف أخير مع الكاميرا. أحاط بجسده الممزق رجال المخابرات الذين رفض أن يعمل معهم، ضحكات الشماتة كانت تبدو على وجوههم، منعوا أهله من الحضور إلى جانبه، ومنعوا الأطباء من الكلام معهم. حتى وقت إعلان وفاته، كانت المخابرات يحيطون بجثمانه وكأنهم في حفلة!
الكاميرا، التي تعود إسماعيل أن يحملها هو ويصور بها المخابرات وقوى الأمن، كان يحملها هذه المرة أحد عناصر المخبارات، كان يصور بها دماءه، جروحه، آلامه، وابتسامة الشهادة. استدارت الكاميرا، لتشمت بأهله أيضاً حتى وهم يبكون.
كم هو الفارق بين كاميرا أحمد، وكاميرا المخابرات؟كان أحمد ينوي أن يشتري كاميرا جديدة قبل يوم واحد، لأن كاميرته سقطت خلال المواجهات عدة مرات واختلت فيها تقنية التقريب "الزووم". لم يسعه الوقت، ورجعت كاميراه إلى أهله، وهي تحمل دماءه، ليكون شاهدا وشهيدا.