جاسم العويك* عندما وقف مهندس غرف الغاز النازية أمام المحكمة احتج بأن ما قام بهِ هو مجرد رسوم وتصاميم ولايمكن أن يُعدَّ جريمة أخلاقية، فهل ستحاسبهُ المحكمة على خيالات وضعت على الورق. ما هو الخط الفاصل بين الكتابة وبين المشاركة في الجريمة؟ عندما يُحرض أحد الكتاب ضد جماعةٍ ما أو يُسوّق اضطهاد جماعةٍ ما، هل يعدُ مشاركاً في الجريمة أم أن المسألة لاتعدو أن تكون تعبيراً عن الرأي. في هذا المقال لا نريد أن نحاكم أحداً، بل هي وقفة أخلاقية مع كتاب السلطة، نطرح من خلالها إشكالياتنا، فلربما يستيقظ شيء ما من إنسانيتهم، وأول الإشكاليات هي شُبهة العنصرية التي تفوح في كتاباتهم، من غير وعي في كثيرٍ من الأحيان، فالتعود يجعل العبارة العنصرية سلسةً في اللسان، فالعنصرية لا تعني مجرد التصريح بكره جماعةٍ معينة أو عدم الوثوق به، بل هي إعطاء تلك الجماعة صفاتٍ أبدية وجعل أفرادها في قالبٍ واحد يتشاركون في ذات الصفات الحدّية، بينما وظيفة الكاتب تقوم أساساً على إظهار التمايزات بين الأفراد، والتحليل الواقعي ـ أي عدم اعتبار النتائج أسباباً ـ فعندما ندرس مجتمع الأفارقة الأمريكيين مثلاً، لايمكن أن نرد نسبة الفقر العالية لأسباب جينية أو طبع أصيل بالكسل، وبذلك نكنس كل الدراسات الاجتماعية الجادة التي تدرس الظروف المحيطة والثقافة من أجل التغيير. كما هو الأمر مع هشام الزياني الذي كتب في جريدة الوطن: إن الولاء للقيادة فطرة وجينات، ويُكملها عقيل سوار بوصف المتظاهرين بالقطيع، وتسوسها الشاعر أن ثلث الشعب مختطفون، منومون مغناطيسياً، ويأتي فيصل الشيخ ليدغمهم بالخونة، فتعممها الدولة بـ (الفئة الضالة). هناك محاولة للقول إن ما حدث قد حدث من فئة عددية قليلة للتشويش على شعار (الشعب يريد) لكنه يوقعهم في شبهةٍ أخطر وهي العنصرية، فهذهِ الفئة حسب رأيهم لها صفات محددة وقاطعة وأبدية وجوهرية في تكوينهم، ولاينفع من علاج سوى استئصالهم من جسد المجتمع، فعقيل سوار يرجعهُ إلى التكوين المذهبي والشعور الدائم بالظلامة مستشهداً باقتباس تاريخي انتقائي من هنا وهناك، ناسياً أن جميع شعوب العالم لديها تاريخها واقتباساتها المتناقضة في كثير من الأحيان، وذلك حسب الوضع الذي تعيش فيه، ففي فترة الحماس يبرز الحسين وفي الصلح يبرز الحسن وفي المشاركة السياسية يبرز الرضا، بل وقد ينتهي الأمر بالانتظار السلبي للإمام الغائب، فالتاريخ ليس خطاً واحداً تعبره الشعوب، بل هو منعرجات ومنعطفات تقتبس منها الشعوب ما يناسب واقعها الحالي، ولكي تحل المشكلة الحاضرة لايكفي أن تلعن التاريخ، بل عليك أن تجيب على سؤال: لماذا تم استدعاء هذهِ الحادثة التاريخية دون غيرها في هذا الوقت بالذات، فهذا هو سؤال الكاتب في الأزمات الكبرى من أجل إيجاد حلولٍ واقعية، وعدم تأبيد المشكلة بالقوله إنها في صلب تكوينهم ولا علاج لها إلا باستئصال ذلك التكوين، وإذا لم ينفع فلا بأس باستئصالهم ! عندما يقرأ عقيل سوار هذا المقال، أعرف أنه لن يرد على الفكرة، لكنه سيردد أسطوانته الدائمة، بأنه ابن الحورة وأنه تربى في الزمن الجميل، حيث لا طائفية وأنه أساساً من الطائفة التي ينتقدها، وبالمناسة كثير من العنصريين في أوروبا هم من أبناء المهاجرين ويبدون أشدّ عنصرية وذلك لتعويض النقص النفسي، سيتجاهل الفكرة ليركز على شخصه كما يفعل دائماً في أي نقدٍ لمقالاته. أما سوسن الشاعر ـ المتحدث الرسمي باسم الأغلبية الصامتة ـ ولأنها صامته فأن الأغلبية لاتستطيع إقالة سوسن من منصبها الرسمي، فقد أشبعت الورق حبراً حول فكرة الاختطاف، والتأكيد الممل على فكرة أن من نزل الشارع هو منومٌ مغناطيسياً وأن ثلث الشعب يتبع رأي شخص واحد، فحسب رأيها أن هؤلاء لم يبلغوا الحلم ولايحق لهم المشاركة السياسية أو المطالبة بمجلس تأسيسي، لأن الأغلبية الصامتة التي هي متحدثها الرسمي ترفض مجلساً تأسيسياً، لأن الأغلبية الصامتة لاتريد أن تكتشف أنها ليست أغلبية، والأفضل هو الشعب كما يراه خليفة الظهراني، وليس الشعب كما يرى نفسه عبر المجلس التأسيسي. إن كاتب السلطة يمارس ذروة الاستهبال واحتقار الآخرين، حين يظل يعتبر الآخرين مجرد أدوات أو قطيع وهو الوحيد الرشيد فيهم، ولأنه يراهم كتلة واحدة، تخاطبهم سوسن بـ (أنتم) بدل أن تخاطب الأفكار التي يطرحها الشخص للنقاش العمومي. أستطيع القول أنَّ دوار اللؤلؤة هو مثال للبحرين الرشيدة، حيث التعددية وقبول الآخر المختلف من المتدين وغير المتدين، ورغم اختلاف سقف المطالب والتوجهات الفكرية، فقد كان الدوار ورشة للعمل والرؤى، والسلطة عمدت عبر الجيش لتدمير مكان الورشة، وعبر كتابها عمدت إلى تدمير الورشة، عبر استخدام متكرر لمجموعة من الاتهامات والأوصاف الجاهزة. لقد ابتليت السلطة بكتاب يضرونها أكثر مما ينفعونها، وذلك عبر اعتبار النتائج أسباباً، فمن أسباب ثورة 14 فبراير، هو التهميش لطائفة معينية، بينما هم يرون أن زيادة التهميش هو الحل لمنع أي انفلات مستقبلي، وأن ما حدث هو نتيجة لحرية التعبير النسبية، بينما هو نتيجة مباشرة للحملة الأمنية في شهر أغسطس، لقد ضيعوا على السلطة فرصة تاريخية لتدعيم شرعيتها المهتزة دائماً عبر مصالحة وإصلاحٍ حقيقي، بدل ذلك لجأوا إلى قولبة الضحية في إطار ولاية الفقيه، لأن ذلك يخفف من عبء الضمير، فلكي تجد السلطة مبرراً للقمع تُسكت بهِ ضمير مؤيديها تلجأ إلى قولبة الضحي وشيطنتها كأن يكون الفلسطينيون إرهابيين بالفطرة ويحبون الموت بالفطرة وذلك لأسباب دينية وجينية، أو عن طريق جعلهم نسخاً متشابهة وطمس أي اختلاف يربك القاتل ويجعله أمام تحدٍ جديد مع ضميره، فالفلسطينيون يجب أن تظهر صورهم في العالم كمسلمين ومحجبات ومتخلفين، وطمس أي فلسيطيني مسيحي أو ليبرالي أو نموذج ناجح. وهذا ما أزعج عقيل سوار واعتبر من أسماهم بالأفندية هم ولاية فقيه مختبئة، فالليبرالي الذي يطالب بممكلة دستورية يفضح الصورة النمطية التي تروجها السلطة وتسهل عليها مهمة القمع أمام مؤيديها، فلابد من تأثيم كل ليبرالي أو ماركسي أو سني أو امرأة غير محجبة، إما عبر اعتبار أنه يمارس التقيه أو أنه في أحسن الأحوال مغررا به، وليس لديه بعد النظر الذي يتحلى بهِ كاتب السلطة العتيد. وأخيراً لتكتمل الجنازة تسرق السلطة حتى دمع الضحية كما يقول درويش "فالجنرال استعار قناع النبي ليبكي ويسرق دمع الضحايا، عزيزي العدو قتلتك من غير قصدٍ لأنك أزعجت دبابتي" |